عرض مشاركة واحدة
قديم 07-10-2007, 01:35 PM   رقم المشاركة : ( 5 )
المشتاقة للجنة
[مشرفة سابــــقة ]

الصورة الرمزية المشتاقة للجنة

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 67
تـاريخ التسجيـل : Dec 2006
الــــــــجنــــــس :  Female
الـــــدولـــــــــــة : الجزائر-وهران
المشاركـــــــات : 1,018 [+]
عدد الـــنقــــــاط : 32
قوة التـرشيــــح : المشتاقة للجنة is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

المشتاقة للجنة غير متواجد حالياً

افتراضي رد: فلسطين عبر التاريخ

الحضارة النطوفية تعاضد الحق الفلسطيني

فلسطين-الجيل للصحافة في العصر الحديث الوسيط ما بين 10،000 - 8،000 سنة ق.م ظهر النطوفيون في فلسطين، وجاءت تسميتهم نسبة إلى وادي النطوف غربي القدس، وتعتبر الحضارة النطوفية الحضارة الأولى عن طريق تقدم الإنسان وارتقائه، فمن خلالها وصلت التحولات الاقتصادية والاجتماعية في فلسطين قمتها، فبعد أن بلغ النطوفيون درجة عالية من التقدم وضع الأساس المادي والفكري المباشر للانعطاف الجذري والأهم في تاريخ البشرية، إلا أن أهم ما امتازت به هذه الحضارة انتقالها بالإنسان من مرحلة الصيد وجمع الطعام إلى مرحلة الزراعة وتدجين الحيوان، وبذلك تحول من الاقتصاد الاستهلاكي إلى الاقتصاد الإنتاجي، وكان القمح والشعير أول ما زرع الإنسان . وتفيد المراجع التاريخية عدم وجود أي دليل على ممارسة شعب آخر غير النطوفي للزراعة في مثل هذا العصر البعيد . وحول تتبع أفضال الزراعة على الرقي البشري، يرى العالم التاريخي "غولايف" في كتابه (المدن القديمة) أن الزراعة وتدجين الحيوان والتبديلات المرتبطة بهما قد حولت بوضوح - أكثر من أي شيء آخر - ظروف تطور الحضارة البشرية ،وغيرت بيئة الإنسان الطبيعية . ارض الحضارات و تؤكد الدراسات التاريخية أن الأيام والقرون والحقب تقف منحنية الهامة أمام دور النطوفيين في ارتقاء البشرية ، وقد ظل الإنسان الفلسطيني يخترع الحضارة تلو الأخرى ، كلها حضارات عريقة اتصلت مع غيرها من الحضارات الإنسانية. وتشير الدراسات أنه في الألف الخامسة ق.م دخلت فلسطين في طور جديد من أطوارها حين وفد إليها من قلب الجزيرة العربية قبائل العموريين والكنعانيين ومعهم اليبوسيين الذين تفرعوا عنهم ، وقد فرض الوافدون الجدد أنفسهم على سكان البلاد الذين ذابوا فيهم على مر الزمن ، وفيما بعد طبّعوا البلاد بطابعهم الخاص وحملت البلاد أسماءهم . وفي ذلك يقول "مظفر الإسلام خان" في كتابه - تاريخ فلسطين القديم - "إن الأرض الفلسطينية الواقعة جنوبي سورية هي أرض صنعت التاريخ وصنع فيها التاريخ، وقد أطلقت شعوب كثيرة على هذه الأرض أسماء كثيرة، ولعل أقدم هذه الأسماء أسماء "خارو" للجزء الجنوبي، و"رتينو" للجزء الشمالي، اللذين اطلقهما قدماء المصريين، وقد تكون كلمة "رتينو" تحريف كلمة سامية، أما خارو أو خورو فقد تكون تحريفاً لكلمة (حوري) وهم الحواريون المذكورون في التوارة. أرض كنعان .. توالي التسميات ويفيد المؤرخون أن التسميات لهذه البقعة من الأرض قد توالت ليطلق عليها فيما بعد "أرض كنعان" أو كنعان، كما نصت عليها تقارير قائد عسكري عند ملك -ماري- ووجدت بوضوح في مسألة "أدريمي" - ملك الالاح - تل العطشانة من منتصف القرن الخامس عشر ق.م. ويرى المؤرخون من النصوص المختلفة أن الأرض الفلسطينية ممتدة بين سيناء جنوباً وغور الأردن شرقاً، وقد استعمل الإغريق هذا اللفظ بادئ الأمر للدلالة على المنطقة الساحلية ، حيث تتركز صيغة التسمية عند المؤرخ اليوناني "هيرودوتس 484 - 425 ق.م على أسس آرامية بالستاين ويرى "هيرودوتس" أحياناً في دراساته أن هذا اسم يطلق على الجزء الجنوبي من سورية أو سورية الفلسطينية بجوار فينيقية وحتى حدود مصر . وقد استعمل هذه التسمية الذين اتبعوه من كبار المؤرخين أمثال : سترابو وديودوروس وبطليموس وبليني، ومع مرور الزمن حل اسم بالتسين محل الاسم الشامل سورية الفلسطينية ، وقد أصبح اسم فلسطين في العهد الروماني ينطبق على جميع الأرض المقدسة ، وقد صك الإمبراطور فسباسيان هذا الاسم على نقوده التي أصدرها عقب قهره لليهود عام 70م ، وبذلك أعطاها الصفة الرسمية ، وورث البيزنطيون هذا الاسم عن الرومان، ومن بالستين انبثقت كلمة فلسطين العربية . الحق الفلسطيني يؤكده التاريخ ومن خلال استقراء أسماء فلسطين طوال تاريخها العريق يتضح بجلاء أن الإنسان الفلسطيني قد امتلك هذه البقعة من الأرض من حوالي المليون ونصف المليون سنة خلت، ولم ينقطع عنها في يوم من الأيام حتى يومنا هذا، إنه أقدم امتلاك على وجه الأرض باستنثاء الدليل الوحيد - الذي لا يركن له صدقه - وهو الدليل التوراتي الذي تدلل المكتشفات الأثرية على ضعف ووهن وانهيار حججه التاريخية، الأمر الذي جعل الكثيرين يعيدون النظر في إعادة كتابة تاريخ فلسطين، بحيث يكون لعلم الآثار دور أكثر أهمية في رسم الخطوط الموضوعية لهذه الكتابة . في هذه الفترة كانوا يقدسون أسلافهم، حيث عثر على مجموعة من الجماجم المفصولة عن هياكلها العظمية في أريحا تعود إلى هذا العصر، كما أنهم عبدوا القمر لأنه أكثر نفعاً وتلطفاً من الشمس في بلاد حارة وجافة مثل فلسطين. عثر المنقبون في كهوف الكرمل على رسم لثور حفر بأدوات عظمية على قطعة من الحجر الطباشيري منحوتة على صورة رأس إنسان. تتمثل حضارة سكان فلسطين في هذا العصر بالأدوات الحجرية المصقولة وبالصحون الحجرية والهواوين والمداق والمناجل الصوانية المثبتة على قبضة خشبية، والتي يظن أنها كانت تستعمل لحصاد القمح. عثر المنقبون على الكثير من هذه الأدوات في مغارة شقبا وفي أريحا ومناطق أخرى. معظم الأدوات الصوانية في أريحا مصنوعة من مادة السبج (الأوبسديان) وهي مستوردة من بلاد الأناضول. ويستدل من هذه الأدوات على أن سكان فلسطين هم أول من مارس الزراعة في العالم. عهد الناس في هذا العصر بالمهنة الجديدة إلى نسائهم وأولادهم، أما الرجال فقد ظلوا منصرفين إلى أعمال الصيد والرعي والغزو. زرع السكان القمح والشعير والدخن، وهو نوع من الذرة، ثم زرعوا العنب والتين والزيتون وأنواعاً من الخضراوات. عثرت عالمة الآثار البريطانية المشهورة "كاثلين كنيون" التي نقبت في تل السلطان في أريحا بين عامي 1952-1958 على مدينة متكاملة تعود لهذا العصر، واكتشفت أبنية عمومية من الحجارة يبلغ ارتفاع بعضها عشرة أمتار، وسوراً خارجياً به برج مستدير قطره 13 متراً يصعد إليه بإحدى وعشرين درجة. يعتبر سور أريحا وبرجها أقدم بناء حجري عثر عليه حتى الآن في العالم، ويعود تاريخ بنائهما إلى سنة 7000 ق. م. وبذلك استحقت أريحا عن حق لقب أقدم مدينة في العالم والبلد الذي شهد ظهور أول نواة لحكومة مركزية في التاريخ. ليس واضحاً حتى الآن إن كانت هذه الفترة قد انتهت في مدينة أريحا بسبب عوامل طبيعية كالزلازل أو على يد فاتحين جدد، لكن كينيون تذكر بأن هجرة سكانية ربما تكون قد حصلت لموقع أريحا بين هذا العصر والعصر اللاحق، أما من الناحية الاقتصادية فيبدو أن الإنسان في هذه الفترة كان لا يزال يعتمد في حياته على الصيد إلى جانب النباتات التي دجنها وزرعها مثل الشعير والقمح والبازلاء والعدس والنباتات العلفية. ويقسم المؤرخون العصر الحجري الحديث إلى قسمين: قبل الفخاري(8000-6000ق.م)، والفخاري(6000-4500ق.م) كما تشير التسمية، يتميز الجزء المتأخر من هذا العصر، أكثر من أي شي آخر، باكتشاف الفخار، كان لهذا الاكتشاف أثر عظيم، ليس على إنسان العصور الحجرية فقط، بل وأيضاً على كل العصور التي تلته. لقد حرر الفخار إنسان العصور القديمة من عبوديتة للصخر الصعب التشكيل الذي حد من قدرته على الإبداع وتنويع أدوات عمله واليوم يعتبر الفخار أفضل وسيلة لدى الأثريين المعاصرين لدراسة حضارات العالم القديم. النطوفيون اصل المجتمعات الحديثة وتعتبر الفترة النطوفية الخطوة الأولى على طريق المجتمعات الزراعية في بلاد الشام، كونها أنتجت حضارة محلية أصيلة، ذات طابع خاص، انتشر تأثيرها في المنطقة، فغطى سورية ولبنان وصولاً إلى وادي النيل، في موقع بالقرب من مدينة حلوان. ومع الانتقال إلى حياة الاستقرار، انقضى عصر الثقافات ذات الانتشار العالمي الواسع الناجم عن التنقل الدائم، والاحتكاك المستمر والتفاعل ، سلباً أو إيجاباً. وبناء على ذلك، راحت تقوم حضارات محلية في أصلها وفرعها، كانت كلما تقدمت اتخذت طابعاً أكثر استقلالية وتمحوراً حول الذات، أدّى إلى تطور متواصل ومتدرج. وقد تضافرت الجهود لإنجاز هذه النقلة الحضارية النوعية في الشرق الأدنى، والتي تعني إنتاج الغذاء عبر الزراعة وتدجين الحيوانات، فضلاً عن الصيد والالتقاط، عوامل بيئية وإنسانية معاً. فالبيئة وفرت للإنسان، وبصورة طبيعية، الحبوب والنباتات والحيوانات القابلة للتدجين ، الأمر الذي دعا إلى الاعتقاد أن المنطقة كانت الموطن الأصلي هذه الأجناس. وهناك الكثير من الدراسات يثبت أن الأصول البرية لهذه النباتات والحيوانات انتشرت بصورة طبيعية في المنطقة التي تضم القوقاز واليونان وهضبة الأناضول وأواسط وشمال آسيا وشمال غرب إيران وشمال العراق وبلاد الشام ووادي النيل الشمالي. دلائل الحضارة النطوفية أما بالنسبة إلى العوامل الإنسانية، فتدل آثار الحضارة المادية للمجموعات البشرية التي عاشت في الشرق الأدنى القديم، على أنها حققت إنجازات كبيرة في العصور السابقة، جعلتها مهيّأة لأن تكون رائدة الحضارة في العصر الحجري الوسيط. ومن هنا، فالنقلة النوعية التي تحققت عبر الحضارة النطوفية، والتي امتدت لتغطي منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، وشمال إفريقيا، وصولاً إلى تونس – حضارة قفصة – هي نتيجة سنّة التطور الطبيعي، ووليدة الحاجات الحياتية المتزايدة التي اقتضتها مستلزمات الحياة لجماعات بشرية مستقرة تتكاثر بوتيرة متسارعة، من جهة، وتلبية النزعة الدائمة لتحسين الأوضاع المعيشية لأفراد تلك الجماعات، من جهة أخرى. ويؤكد علماء التاريخ أن تميز النطوفيين عن غيرهم يكمن في خطواتهم السريعة نحو إنتاج غذائهم، ثم في الانتقال إلى حالة من الاستقرار، وتأسيس مستوطنات دائمة في مرحلة مبكرة من الحضارة الإنسانية. وقد أصبح من المؤكد الآن أن الجماعات البشرية النطوفية تميّزت منذ البداية بحركة نزوح من المغاور والكهوف إلى المواقع المكشوفة في أرجاء الشرق الأدنى القديم كلها. وحدث ذلك بالتدريج، إذ بدأوا بناء منازل بسيطة، يسهل بناؤها كما يسهل هدمها، على المصاطب القريبة من الكهوف، وكانت على العموم مستديرة الشكل، أسفلها محفور في الأرض على عمق نصف متر تقريباً، وجُدُرها وسُقفها، من جذوع الأشجار المغطاة بالأغصان والجلود. تفيد بعض المراجع التاريخية أنه تمّ الكشف عن قرى نطوفية كثيرة، وفي مواقع متعددة، تحمل سمات عامة مشتركة، من ناحية شكل البناء، أو التعبيرات الفنية، أو طقوس الدفن، أو تقنيات صناعة الأدوات الميكروليتية الهلالية ، أو الأدوات الزراعية البازلتية. وتتركز هذه المواقع بشكل كثيف في فلسطين في السهل الساحلي الأوسط، وفي جبال القدس وسفوحها الغربية. وفي غور الأردن موقعان متباعدان، غاية في الأهمية: الأول في أريحا، والثاني إلى الجنوب الغربي من بحيرة الحولة ، في جوار عين الملاحة، الذي يُعَدّ الموقع النموذج لهذه الحضارة بعد التنقيبات التي أُجريت فيه. وموقع عين الملاحة القريب من نبع غزير يحمل الاسم نفسه، هو قرية نطوفية تبلغ مساحتها 2000 م2، اكتُشفت في الخمسينات من هذا القرن، ونقب منها جزء صغير، كشف عن ثلاث سويّات أثرية من هذا العصر. ويتضح أن سكان القرية أتقنوا بناء البيوت المستديرة، بقطر يراوح بين 5 – 8 أمتار، أُسسها بضعة مداميك من الحجارة مغروسة في الأرض وجُدُرها من الطين، وسُقوفها من الخشب، وأرضيتها مرصوفة بالحجارة، وفي وسطها موقد، وبداخلها مخازن للحبوب ذات جُدُر من الطين القاسي جداً. وفي الجزء الذي جرى تنقيبه من عين الملاحة عثر على أكثر من 50.000 قطعة أثرية، تعطي بمجموعها صورة شاملة لحياة مجتمع بلغ حدّاً متقدماً من الحضارة المادية والروحية، ويقدر تعداد أفراده بـ 300 شخص. وأغلبية هذه اللُّقى هي من النصال المتنوعة الدقيقة الصنع، وأدوات أخرى ميكروليتية مركّبة، هندسية الأشكال، ركّبت في أنصبة لتكون مناجل للحصاد وغيرها. كما تضم أدوات عظيمة ومخارز وإبر وصنانير لصيد الأسماك وأنصبة عظمية زينت بإشارات ورموز وصور لرؤوس غزلان وغيرها من الحيوانات. ويسترعي الانتباه إلى وجود قطع فنية منها لوحتان حجريتان تحملان نحتاً لملامح إنسان مختزلة، وعدد كبير من أدوات الزينة والخرز والأصداف، وجدت مدفونة مع الهياكل العظمية، في معظم الأحيان تحت مصطبة البيت، إضافة إلى التعبيرات الفنية في أدوات العمل، وخصوصاً الأنصبة العظمية التي ركّبت عليه الشفرات الميكروليتية الرقيقة، ذات الأشكال الهندسية المتعددة – كالمثلث والمربع والمنحرف والهلال . . . الخ. والواضح أن هذه الرقائق كان يصعب استعمالها من دون مقبض، فكانت تُشد إلى النصاب بواسطة ألياف الأشجار، أو خيوط من الجلد أو خيوط من أطناب الحيوانات. مواقع نطوفية ومن المواقع النطوفية الأكثر أهمية في فلسطين، حيث اكتُشف العدد الأكبر منها بالنسبة إلى غيرها، أريحا ومغارة الواد (وادي فلاح). ففي الطبقة السفلى من تل السلطان (أريحا القديمة)، وُجدت آثار تنتمي إلى الحضارة النطوفية – مناجل وصنانير عظمية – كما عُثر على بقايا معبد من هذا العصر، يعود بناؤه إلى الألف الثامن قبل الميلاد. أما عند مدخل مغارة الواد ، القريبة من السهل الساحلي في جبال الكرمل، فقد اكتُشفت قرية مكوّنة من منازل مستديرة، بُنيت من الحجارة والطين والدعائم الخشبية، وفيها أدوات حجرية تعود إلى هذه الفترة. وعند مدخل مغارة الواد اكتُشفت حفر على سطح صخري منبسط يحيط به جدار حجري، واستخلص الباحثون أن هذا البناء الكبير نسبياً استُعمل كمعبد في العصر النطوفي، فقد وجد في جواره 14 قبراً من هذا العصر. كما وجد مقبض منجل عظمي، عليه صورة رأس غزال، عثر على مثيل له في مغارة كبّارة القريبة. أما في مغارة الواد فعُثر على لوحة حدرية نُحت عليها رأس إنسان مبسّط، فضلاً عن أدوات زينة وخرز وأطواق وأعلاق وحلق مصنوع من الصدف وغيرها. ولم تتوفر حتى الآن من الشرق الأدنى أية آثار تشير إلى تعبيرات فنية عن قيم دينية قبل العصر النطوفي. غير إنه منذ بداية الحضارة النطوفية، في الألف العاشر قبل الميلاد بدأت تتجلى عبر المكتشفات الأثرية ملامح فنون النطوفيين، المعبرة عن معتقداتهم وما يختلج في صدورهم من اهتمامات، أو ما يتفاعل في نفوسهم من مسائل الحياة، أصلها ومآلها، ومن أمور البيئة المحيطة، وما توفره أو تحجبه، وما يريح الصانع أو يزعجه. ومن الرسوم والمنحوتات والدمى التي وصلت إلينا، يبرز الفن النطوفي تصويراً وتشخيصاً مبسطاً، تناول الحيوان بصورة عامة، والغزال بصورة خاصة، وناداً ما جسّد البشر. فكرة الموت و البعث عند النطوفيين ويتضح أن النطوفيين أولوا موتاهم عناية خاصة فقد كانوا يؤمنوا بفكرة الموت والبعث بعد الموت وقد دلت علي ذلك المدافن الأثرية لموتاهم ، ولا يكاد يخلو موقع جرى التنقيب فيه من مدافن للموتى ، جماعية أو فردية ، وهي حفر ضحلة متقاربة ، توضع الجثث فيها مثنيّة وأطرافها مربوطة بألياف الأشجار. وكانت لهم طقوس في الدفن أظهرت رفضهم فكرة أن الموت هو نهاية الحياة ، فزودوا الميت بحاجاته المفترضة ودفنوها معه ، من طعام وسلاح وأدوات زينة ، وكانوا يخضبون هذه الجثث ، كأنما يعدّونها لحياة أخرى. وتجدر الإشارة إلى أنه تم العثور في موقع عين الملاحة على ***ٍ دُفن مع صاحبه في قبر واحد. وقد يكون قد تمّ تدجينه في ذلك الحين. وكشفت التنقيبات الحديثة انتشار الحضارة النطوفية ، وإن ببعض التمايزات المحلية، من بحر قزوين (مغراة بلط)، إلى تونس (قفصة)، مروراً بمصر (حلوان). أما في الهلال الخصيب فقد اكتُشفت تلك الحضارة في موقعي زارزي وشانيدار في شمال العراق ، وفي عدد كبير من المواقع في سورية: يبردو والكوم (البادية السورية) والحمر (قرب دير الزور) والطيبة (قرب درعا) وجيرود (قرب دمشق) وفي الموقعين المهمين: المريبط وأبو هريرة ، في حوض الفرات. ووجدت أيضاً في مغارة جعيتا وغيرها في لبنان، ومواقع البيضا والعسافات وعين راحوب في الأردن ، فضلاً عن عشرات المواقع في فلسطين. وعلى الرغم من التساؤلات التي يطرحها بعض الباحثين بشأن وجود حضارات متمايزة اجتماعياً واقتصادياً وتقنياً، وبالتالي من التحفظ على تعميم الوحدة الحضارية في هذا العصر على الشرق الأدنى، فإن منظوراً شمولياً يؤكد وجود حضارة موحدة إلى درجة كبيرة، أُطلق عليها الاسم الصُّدَقي – النطوفية ، امتدت من النيل إلى الفرات.
وتُظهر تلك الحضارة فوارق محلية، بنسب متفاوتة، أو تفاوتاً في مستويات التقدم والرقي، وهو طبيعة الأشياء نتيجة حياة الاستقرار، التي لا بدّ من أن تنطوي على درجة من الخصوصية، من دون أن يغيّر ذلك كثيراً في الأساس، إذ تلتقي الجماعات البشرية في السمات العامة لنمط حياتها وحضارتها المادية في هذه المنطقة، خلال هذا العصر.
توقيع » المشتاقة للجنة

  رد مع اقتباس