الموضوع: معجزة الهجرة
عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 09-29-2007, 06:49 PM
 
برهوما
نبض جديد

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو
  برهوما غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 2077
تـاريخ التسجيـل : Sep 2007
الــــــــجنــــــس :
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 16 [+]
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : برهوما is on a distinguished road
ABOU FAHIM معجزة الهجرة




نشرت سنة 1937 وأصل المقالة خطاب ألقى في المسجد العمري

الكبير في بيروت ف يالاحتفال

يذكرى الهجرة.



لقد قال الإخوان ما كنت أحب أن أقول ولم يدعوا لي بقية .

لقد سدوا علي الطريق وأخذوا المسالك ، وذهبوا بالذي أعددته وهيأته .فأنا أعتذر إليكم ، وإليكم ،ولا أجد بداً من أن أدع هذا الاجتماع المبارك وأذهب .. اذهب في رحلة بعيدة ، بعيدة جداً ، أجوس فيها خلال الماضي وأتغلغل في مسارب العصور وأخوض لجة الزمان . لقد أوغلت في رحلتي وابتعدت ؛ فأنا الآن في أوائل القرن السادس لمولد عيسى بن مرين ، عبد الله رسوله .

***

أنقطع وحي السماء ، وشاخت دول الأرض ن وانزاحت الحضارة الصحيحة عن أكثر البلدان فعمها الظلام وسادتها الفوضى ، وكان عهد الفترة ، وكان زمن الجاهلية انتهت السيادة في الأرض إلى الدولتين الكبيرتين ؛ فارس والروم ، فتمتع ملوكهما بها ، واقتسموا بينهم بلاد الله يتحكمون فيها ويتصرفون بخيراتها ؛ فانقسم العالم إلى طائفتين " قل ظالمون وكثر مظلومون ، وغرفت الدنيا في لج من الباطل ما له من قرار .

كان يعرض لكسرى الفرس أو قيصر الروم خاطر من الطمع ، أو طرف من القوة ، فينهض ليقاتل الآخر .. يتصارع الملكات ، فلا يفوز أحدهما بطائل ، وتجر المعركة ذيولها المسمومة على الآلاف من البشر .

اشتد الطغيان ،وعم الظلم ،وامحت الفضيلة ،وضاع الحق ، وأمست الشعوب فريسة الملوك ؛ لا حرية ولا عدالة .فاين من ينصر الشعوب ؟ أني من يؤيد الق ؟ أين من يحمي الفضيلة ؟

ذلك هو صراخ الأطفال الذين أمسوا بلا آباء لأن آباءهم قتلوا في سبيل كسرى وقيصر ، والشيوخ الذين باتوا بلا معين لأن أبناءهم ماتوا في سجون كسرى وقيصر والأمهات اللائي لم يبق لهن نصير لأن أولادهن قد افترسهم كسرى وقيصر .. يا للذئاب النائمة في أبهاء القصور !

لم يبق للشعب مال لأن الضرائب قد استنفدت أمواله ، والشعب لا يستطيع أن يتكلم لأن سيف الظلم مصلت فوق راسه .

الشعب مظلوم، مرهق ، فقير ، جائع ..

فمن ينصر الشعوب ؟ من ينشر الحرية والعدالة ؟ من يفيض على العالم المتاجج برد الأمن والسلام ؟ من يدله على الفجر المومض وسط هذا الليل الأسود الداكن ؟ من يسمع صراخ الأطفال والشيوخ والنساء ؟ من يصغي إلى صوت الإنسان المعذبة ؟

لا أحد !

هنالك ـ يا أيها السادة ـ أنطلقت البشارة على ألسنة الكهان والرهبان : أطمئنوا وأنتظروا ؛ فإن أبواب السماء تفتحت ، وإن نبياً عظيماً سيُبعث فيطهر الارض من الظالمين ويهدم صروح الجبروت وينصر الشعوب المظلومة ويصغي لأنات اليتامي ورنات الأيامي وشكوى العاجزين .

فذهب الناس يبحثون ويسألون : متى ياتي النبي ؟ من أين يخرج النبي ؟

***

البادية خالية من كل شيء ؛ ليس عندي أهلها حضارة الروم ولا عظمة فارس ، ولا فلسفة الهند ولا علم اليونان .. وإنما هم أصحاب إبل وشاء ومضارب خيام ، قطر السماء أقصى نعمة يرونها والكفاف من العيش أبعد غاية يؤملونها ، وكانوا منشقين على أنفسهم متباينين في قبائلهم ومساكنهم ، يثيرون الحرب الزّبون من أجل ناقة لبون ، لا راية تجمعهم ولا حكومة تنظم أمورهم ، حكمهم لسيوفهم وحقهم في رماحهم ، لا يطمحون إلى تاج ولا يطمعون في سرير إذا فارقوا صحراءهم بدوا ضعافاً وكانوا خاضعين لمن يعرض لهم من الملوك والحاكمين .

تلك هي حال الجزيرة ، ولكن أمل العالم البسام قد لاح في الجزيرة . إن النبي المنتظر قد بعث في الجزيرة .

***

يا للعجب العجاب !

لقد تحركت رمال البادية ، لقد أخضرت ، لقد أزهرت . لقد دبت الحياة في هذه الصخور الصلدة ، لقد هبت على العالم من البادية المحرقة نسمة رخية عذبة .. فما هذا ؟ ماذا يجري هناك ؟

يجري أكبر حادث في تاريخ البشر .. تجري أعظم مسعاة إلى عظمة الإنسان وسعادته .. تجري أروع قصة للتضحية والبطولة والسمو والكمال .

إن النبي صلى الله عليه وسلم يمشي من مكة نحو أرض الحضارة ؛ إلى المدينة ، إلى دمشق ، إلى بغداد ، إلى قرطبة ، إلى القرن العشرين إلى الأعصار التي لا تزال سراً مستتراً في ضمير الغيب ... فاستبشري ياسعوب الأرض ؛ لقد وقع أكبر حادث في تاريخ الأرض ، لقد هاجر محمد .

***

لقد ظهرت معجزة الهجرة فانظروها ...



إن الرجلين اللذين خرجا من مكة مستخفيين هاربين ضعيفين قد رجعا إلى مكة ظافرين فاتحين ، ومعهما عشر آلاف مسلم .

إن الأربعين الذي كانوا مختبئين في دار الأرقم في مكة قد صاروا مئة ألف .. مئة الف من جنود محمد ، من جنود الحق ، من جنود الله مجتمعين في صعيد واحد ، بثياب واحد ، ينادون بصوت واحد، ويتوجهون إلى رب واحد ؛ دعاهم إلى التوحيد والسمو والحياة وفأجبوا : " لبيك اللهم ، لبيك " .

وهنالك كان الاحتفال العظيم بتمام الرسالة ، فوقف صلى الله عليه وسلم يعلن للأجيال الآتية كلها حقوق الإنسان ( قبل أن تعلنها الثورة الفرنسية بالف عام ) ويقرر مبادئ العدالة والمساواة التي تجاهد أكثر الشعوب اليوم لتصل إليها :

(( أيها الناس ! إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا )) . ثم يسأل " ألا هل بلغت " ؟ فيجيبه مئة ألف مسلم مئة ألف أسد ، مئة ألف جيش ، بأصوات ترتج لها بطاح عرفات ، وترددها أرجاء التاريخ : نعم ، نعم .. فيقل " اللهم أشهد " .

ويقرر أن الأخوة أخوة الدين ، لا أخون الجنس ولا البلد ، وأن كل مسلم أخٌ لكل مسلم .. ثم يعلن المساواة التامة المطلقة ، يعلن المبدأ الإنساني ، إنسانية محمد الصادق لا إنسانية أو ربه المكذوبه المرورة :



" أيها الناس ! إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد ، كلكم لآدم وآدم من تراب . إن أكرمكم عند الله أتقاكم . لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى . الا هل بلغت " ؟ فسجيبه مئة ألف إنسان ، مئة ألف قلب " نعم ، نعم ... فيقول " اللهم اشهد "

وفي هذا الوقت المهول يعلن أنتهاء الرسالة الكبرى التي بعثه الله الناس كفاة ، في العصور كلها ويتلو قول الله تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً) (المائدة: من الآية3)



***

لقد تمت معجزة الهجرة ...

فإذا المسلمون الذين كانوا ضعافاً مستخفين قد أحتلوا عرش المجد وتملكوا زمان الدهر ؛ فهدوا صروح الظلم والاستبداد التي بناها كسرى وقيصر وشادوا على أنقاضها صروح العدل والحرية التي جاء بها محمد بن عبد الله e فنعمت الشعوب بالحرية والعدل في ظلال الإسلام .

جاء محمد بالقرآن هدى من الله ونبراساً ، فاهتدى العرب بهدية وساروا على سننه فأعزهم الله به ونصرهم ، فكانوا ظاهرين . حملوه في صدورهم ووعوه في قلوبهم ثم خرجوا ليجاهدوا في سبيل الله كسرى وقيصر العظيم الجليلين الظالمين العاتيين فأمكنهم الله منهما ، فثلوا عرشيهما وهوت على أقدامهم تيجانهما ، وخلفوهما في دراهما .

بالقرآن حاربوا ، وبالإيمان جاهدوا ، وبهما ظفروا وانصروا .

أنتصروا فلم يبيدوا الحضارة ولم يبددوا العلم ؛ لأن دينهم دين الحضارة وشريعتهم شريعة العلم ، فأقبلوا علىنشرهما وإذا عتهما ، جاعلين الدنيا لهما مقياساً ، والشريعة ميزاناً . فلم تكن إلا ردة الطرف حتى مكن الله لهم في الارض فغدوا ملوكها وسادتها .

كانت دولتهم تضرب بجرانها ما بين مونبلييه في قلب فرنسا والتبت في أرض الصين ، ورأيتهم تخفق على العالم كله فتخفق لها القلوب وترتج لها الدنيا وعاصمتهم منار الهدى وموئل العظمة ومثابة العلم ودار السلام .

كان قائدهم يجاهد في سبيل الله حتى يبلغ البحر ولا يرى أمامه من طريق فيخوضه بفرسه ويقول : " اللهم لو لا هذا البحر لمضيت مجاهدا في سبيل الله حتى أبلغ نهاية العالم أو أبلغ الجنة " !

ثم إذا تم الظفر كان نصيبه من الغنائم وجلاله ـ يقف بين يدي القاضي مع أدنى السوقة وأقل الناس ، فلا يناديه القاضي إلا باسمه ولا يحكم عليه إلا بالحق ن لأن الحق فوق الملك ، والله فوق الجميع .

وكان الواعظ يدخل على أمير المؤمنين ، فلا يزال يعظه ويخوفه من الله حتى تقطر دموعه من لحيته ، ثم ينصرف عنه لا يرزؤه من ماله شيئاً ،لأنه دخل لله ولا يبتغي المثوبة إلا من الله .

يا أيها السادة :

إنه لولا الهجرة لم تكن المدينة ، ولولا المدينة لم تكن دمشق ، ولولا دمشق لم تكن بغداد ولا قربطة وطليطلة لم تكن باريس ولا لندن ولا نيويورك ؛ فلو أنصف هؤلاء المتمدنون لجاؤوا يحتفلون معنا بذكرى الهجرة ؟

هجرة من نصر الشعوب المظلومة .. هجرة من نشر في الدنيا الحرية والعدالة والمساواة .. هجرة من نقل العالم من الظلام إلى النور .

هذا هو سر الهجرة وهذا معناها . ليست الهجرة سفراً من مكة إلى المدينة ، ولكنها انتقال إلى النور .

***

أيها السادة :



إن الإسلام لم يبل ولم يفسد ، ولكنه لا يزال غضاً طرياً كيوم نزل به الوحي ، وإن العالم لتلفت اليوم يفتش عن الدليل الهادي ، فأسمعوه صوت الإسلام ، وأروه من أنفسكم مثال المسلمين الكاملين ، حملة النور وهداة البشرية . تسامحوا قبل أن تخرجوا من هنا وتصافحوا ، وأعزموا على العمل ليكون هذا اليوم فاتحة عهد جديد في تاريخكم ، كما كان يوم الهجرة فاتحة عهد جديد في تاريخ البشر .
رد مع اقتباس