عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 11-18-2007, 07:14 PM
 
ابو عبد الله غريب الاثري
شرف لــــنا

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو
  ابو عبد الله غريب الاثري غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 2928
تـاريخ التسجيـل : Nov 2007
الــــــــجنــــــس :
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 358 [+]
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : ابو عبد الله غريب الاثري is on a distinguished road
ABOU FAHIM مناظرة بين سلفي ومعتزلي للامام ابن باديس

لأوّل مرّة على المنتديات



مناظرة بين سلفي ومعتزلي
في مجلس الواثق



بقلم الإمام
عبد الحميد بن باديس رضي الله عنه









إنّ اختلاف الأفكار والطباع، مع اختلاط الأمم في الزمن الطويل –أدى الفرق الإسلامية إلى كثير من الإختلاف. وكان من بين ذلك -لا محالة- بدع دينية في الإعتقادات والأعمال. وكل ذي بدعة -لا بد- معتقد فيها صوابا، ومتلمس لها دليلا.

ولا يقف بالجميع عند حد واحد، إلا دليل واحد، وهو التزام الصحيح الصريح مما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وكان عليه أصحابه.

فكل قول يراد به إثبات معنى ديني لم نجده في كلام أهل ذلك العصر نكون في سعة من ردّه وطرحه وإماتته وإعدامه، كما وسعهم عدمه.

ولا وسع الله من لم يسعه من وسعهم.

وكذلك كل فعل ديني لم نجده عندهم وكذلك كل عقيدة.

فلا تقول في ديننا إلا ما قالوا، ولا نعتقد فيه إلا ما اعتقدوا ولا نعمل فيه إلا ما عملوا.

ونسكت عمّا سكتوا.

فهم -كما قال الشافعي في رسالته البغدادية-: ((ادوا إلينا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلّم وشاهدوه والوحي ينزل عليه فعلموا ما أراد رسول الله صلى الله علسه وآله وسلّم عامّا وخاصّا وعزما وإرشادا وعرفوا من سنّته ما عرفنا وجهلنا وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا)).

ونرى كل فتنة بين الفرق الإسلامية ناشئة عن مخالفة هذا الأصل، ومنها فتنة القول بخلق القرآن التي نقلنا في المناظرة عليها القصة التالية من كتاب ((الإعتصام)) للإمام الشاطبي. وقد كان الفلج فيها لمن التزم هذا الأصل على من خالفه.

ذكر أبو إسحاق الشاطبي أنّ هذه القصة حكاها المسعودى وحكاها الآجرى - في كتاب الشريعة - بأبسط مما ذكره المسعودى ونقلها هو عنالمسعودى–قال- مع إصلاح بعض الألفاظ
قال:
((ذكر صالح بن على الهاشمى قال: حضرت يوما من الايام جلوس المهتدى للمظالم فرأيت من سهولة الوصول ونفوذ الكتب عنه إلى النواحي فيما يتظلم به إليه ما استحسنته فأقبلت أرمقه ببصرى إذا نظر في القصص فإذا رفع طرفه إلى اطرقت فكأنه علم ما في نفسى. .
فقال لي يا صالح أحسب أن في نفسك شيئا تحب أن تذكره - قال - فقلت نعم يا أمير المؤمنين فامسك. .
فلما فرغ من جلوسه أمر أن لا أبرح ونهض فجلست جلوسا طويلا فقمت إليه وهو على حصير الصلاة فقال لى يا صالح أتحدثنى بما في نفسك أم أحدثك فقلت بل هو من أمير المؤمنين أحسن.
.
فقال كاننى بك وقد استحسنت من مجلسنا فقلت أي خليفة خليفتنا! إن لم يكن يقول بقول أبيه من القول بخلق القرآن. .
فقال (المهتدي): قد كنت على ذلك برهة من الدهر حتى أقدم على الواثق شيخا من أهل الفقه والحديث من ((أذنة)) من الثغر الشامي مقيدا طوالا حسن الشيبة فسلم غير هائب، ودعا فأوجز، فرأيت الحياء منه في حماليق عينى الواثق والرحمة عليه.
فقال (الواثق) يا شيخ أجب ابا عبد الله أحمد بن ابى دؤاد عما يسألك عنه.
فقال: يا أمير المؤمنين احمد يصغر ويضعف ويقل عند المناظرة. فرأيت الواثق وقد صار مكان الرحمة غضبا عليه.
.
فقال: أبو عبد الله يصغر ويضعف ويقل عند مناظرتك؟
فقال: هون عليك يا أمير المؤمنين اتأذن لي في كلامه؟ فقال له الواثق قد أذنت لك.
.
فأقبل الشيخ على أحمد فقال: يا احمد إلام دعوت الناس؟ فقال أحمد إلى القول بخلق القرآن، فقال له الشيخ: مقالتك[1] هذه التي دعوت الناس إليها من القول بخلق القرآن أداخلة في الدين فلا يكون الدين تاما إلا بالقول بها؟
قال: نعم.
.
قال الشيخ: فرسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الناس إليها أم تركهم؟ قال: لا.
قال له يعلمها أم لم يعلمها؟
قال: علمها.
.
قال:فلم دعوت الناس إلى ما لم يدعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركهم منه؟ .
فأمسك.


فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين هذه واحدة.

ثم قال له: أخبرنى يا أحمد، قال الله تعالى في كتابه العزيز ((اليوم أكملت لكم دينكم)) الآية، فقلت أنت: الدين لا يكون تاما إلا بمقالتك بخلق القرآن، فالله تعالى عز وجل صدق في تمامه وكماله أم أنت في نقصانك، فأمسك.
فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين وهذه ثانية.

ثم قال بعد ساعة: أخبرني يا احمد قال الله عز وجل
((يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته)) فمقالتك هذه التى دعوت الناس إليها فيما بلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلى الأمة أم لا؟ فأمسك.

فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين وهذه ثالثة.


ثم قال بعد ساعة: أخبرني يا أحمد لما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم
مقالتك هذه التى دعوت الناس إليها اتسع له عن أن أمسك عنهم أم لا؟ قال أحمد بل اتسع له ذلك.


فقال الشيخ وكذلك لأبى بكر؟ وكذلك لعمر؟ وكذلك لعثمان؟ وكذلك لعلى؟ رحمة الله عليهم.
.
قال: نعم.


فصرف وجهه إلى الواثق وقال: يا أمير المؤمنين! إذ لم يتسع لنا ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولاصحابه فلا وسع الله علينا.


فقال الواثق: نعم! لا وسع الله علينا إذا لم يتسع لنا ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه فلا وسع الله علينا.

ثم قال الواثق اقطعوا قيوده فلما فكت جاذب[2] عليها.


فقال الواثق: دعوه، ثم قال: يا شيخ لم جاذبت عليها؟ قال لأني عقدت في نيتي أن أجاذب عليها، فإذا أخذتها أوصيت أن تجعل بين يدى وكفتى[3]
ثم أقول يا ربى سل عبدك لم قيدنى ظلما وارتاع[4] بى اهلى؟ فبكى الواثق والشيخ وكل من حضر.


ثم قال له الواثق: يا شيخ! اجعلنى في حل.

فقال: يا أمير المؤمنين! ما خرجت من منزلى حتى جعلتك في حل إعظاما لرسول الله صلى الله عليه وسلم،ولقرابتك منه.

فتهلل وجه الواثق وسر. ثم قال له: أقم عندي أنس بك.

فقال له مكاني في ذلك الثغر أنفع. وأنا شيخ كبير، ولي حاجة.
قال: سل ما بدا لك.

قال يأذن أمير المؤمنين في رجوعي إلى الموضع الذي أخرجني منه هذا الظالم[5].
قال قد أذنت لك.
وأمر له بجائزة فلم يقبلها[6].فرجعت من ذلك الوقت عن تلك المقالة وأحسب أيضا أن الواثق رجع عنها. .


قال أبو إسحاق الشاطبي بعد نقل ما تقدّم:
فتأملوا هذه الحكاية ففيها عبرة لأولى الألباب.

وانظروا كيف مأخذ الخصوم في إحجامهم[7] لخصومهم بالرد عليهم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم)).

عبد الحميد ابن باديس
الشهاب ج11، م5، غرة رجب 1348 ديسمبر 1929.


[1]((ش)): كلام الشيخ على مقالة ابن أبي دؤاد ينطبق على كل مقالة لم يدع إليها النبي صلى الله عليه وآله وسلّم الناس. وقام لها من بعده الدعاة.

[2] ((ش)) أبى أن يتركها.

[3]كذا بالأصل والظاهر بدني وكفني.

[4]الصواب أراع أو روّع.

[5]يعني ابن أبي دؤاد

[6]هذا قول المهتدي بعد تمام الحكاية.

[7] كذا بالأصل والظاهر افخامهم

آخر تعديل بواسطة ابو عبد الله غريب الاثري ، 07-25-2009 الساعة 06:19 PM
رد مع اقتباس