عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 11-19-2007, 06:53 PM
 
ابو عبد الله غريب الاثري
شرف لــــنا

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو
  ابو عبد الله غريب الاثري غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 2928
تـاريخ التسجيـل : Nov 2007
الــــــــجنــــــس :
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 358 [+]
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : ابو عبد الله غريب الاثري is on a distinguished road
madxp تنبيه الحائر إلى حكم الصلاة في و إلى المقابر

تنبيه الحائر إلى حكم الصلاة في و إلى المقابر






قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: ((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمّام)) حديث صحيح رواه الإمام أحمد في مسنده والإمام الدارمي في سننه والإمام ابن حبان في صحيحه والإمام ابن ماجة في سننه والإمام الترمذي في سننه والإمام أبو داود في سننه والإمام الحاكم في مستدركه والإمام البيهقي في سننه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وهو عند بعضهم على شرط الشيخين (البخاري ومسلم) وصحّحه محدّث هذا العصر بلا منازع الإمام الرباني محمّد ناصر الدين الألباني عليه رحمة الله.

وقال الإمام سليمان بن عبد الله آل الشيخ رحمه الله تعالى: ((وبسبب الرافضة (أي الشيعة) حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد قاتلهم الله..)) (تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد ص273 المكتب الإسلامي الأولى 1423هـ تحقيق زهير الشاويش)

وقال الإمام ابن باديس رحمه الله: (نحن مالكية ما وافق الدليل فإذا مال الدليل ملنا معه)

وقال السبكي في الفتاوى (1/148): ((فإنّ، أهمّ أمور المسلمين الصلاة، يجب على كلّ مسلم الإهتمام بها، والمحافظة على أدائها، وإقامة شعائرها، وفيها أمور مجمع عليها لا مندوحة عن الإتيان بها، وأمور اختلف العلماء في وجوبها، وطريق الرشاد في ذلك أمران:
إمّا أن يتحرّى الخروج من الخلاف إن أمكن, وإمّا ينظر ما صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلّم فيتمسّك به، فإن فعل ذلك، كانت صلاته صوابا صالحة داخلة في قوله تعالى: ((فمن كان يرجو لقاء ربّه فليعمل عملا صالحا)) اهـ (من صفة الصلاة للألباني ص43 مكتبة المعارف، الرياض)

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ((وكثير من منازعات الناس في مسائل الإيمان ومسائل الأسماء والأحكام هي منازعات لفظية، فإذا فصل الخطاب زال الارتياب. والله سبحانه أعلم بالصواب )) ا.هـ مجموع الفتاوى ( 18/ 279)

الحمد لله وبعد:
فقد كثر الكلام واللغط في المنتديات حول حكم بناء مسجد في المقبرة وحكم الصلاة فيه حيث زعم بعض أنصار عبادة القبور والمشاهد أنّ الصلاة فيه جائزة صحيحة بناءا على أنّ الأصل جواز الصلاة في المقابر!!

وهذا خطأ عظيم لا يسعني السكوت عنه أو المرور عليه دون التنبيه عليه، خاصة وقد جمع بعضهم وريقات خالية من الأدلّة الشرعية وفقيرة إلى الأصول العلمية حاول فيها صاحبها التدليس على عوامّ النّاس المساكين الذين لا ناقة لهم في مجال العلم الشرعي ولا جمل.

والحقّ أنّ كاتب تلك الوريقات قد خلّط وخبط ولم يذكر دليلا واحدا على صحّة ما يدّعيه من جواز الصلاة في وإلى المقابر، وغاية ما ذكره هذا الأخ غفر الله لنا وله في وريقاته تلك لا يعدو أن يكون نقلا عن بعض الصوفية القبورية عبّاد الأوثان من أمثال المدعو أحمد بن صدّيق الغماري المغربي الذي وصفه هذا الأخ بالحافظ الحجّة تدليسا على النّاس وقلبا للحقائق !!
ويكفي في الرّد على هذه الوريقات أنّها حملت بين طياتها كلاما لرجل صوفي قبوري رافضي من غلاة الأشاعرة المحرفين لصفات الله تعالى بل يكفي في الردّ على صاحب الوريقات وعلى حافظه المزعوم أنّ لهذا الأخير –أعني الغماري- رسالة بعنوان: ((إحياء المقبور في أدلّة استحباب بناء المساجد والقباب على القبور)) وعنوان هذه الرسالة ينبّؤك على مضمونها!!

فالرجل يدعو وبكل جرأة وصراحة إلى اتخاذ القبور مساجد!! وهذا عين المحادّة لله ولرسوله!
وصدق الإمام عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ عليه رحمة الله حين قال عن أمثال هذا الغماري: ((والعجب أنّ أكثر من يدّعي العلم ممن هو من هذه الأمّة لا ينكرون ذلك، بل ربّما استحسنوه ورغبّوا في فعله. فلقد اشتدّت غربة الإسلام، وعاد المعروف منكرا والمنكر معروفا، والسنّة بدعة والبدعة سنّة، نشأ على هذا الصغير، وهرم عليه الكبير)) (فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص229 مكتبة الصفا الطبعة الأولى سنة 1424 هـ)

قال الإمام الرباني محمّد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى وهو يتحدّث عن الغماري هذا ورسالته المذكورة آنفا: ((هو الشيخ أبو الفيض أحمدالصديق الغماري في كتبابه المسمى " إحياء المقبور من أدلة استحباب بناء المساجدوالقباب على القبور " وهذا الكتاب من أغرب ما ابتلى به المسلمون في هذا العصر وأبعدما يكون عن البحث العلمي النزيه فان المؤلف يدعي ترك التقليد والعمل بالحديث الشريف.فقد التقيت به منذ بضعة أشهر في المكتبة الظاهرية وظهر لي من الحديث الذي جرى بينيوبينه أنه على معرفة بعلوم الحديث وأنه يدعو للاجتهاد ويحارب التقليد محاربة لاهوادة فيها وله ذلك بعض المؤلفات كما قال لي ولكن الجلسة كانت قصيرة لم تمكني من أنأعرف اتجاهه في العقيدة وإن كنت شعرت من بعض فقرات حديثه انه خلفي صوفي.
ثم تأكد منذلك بعد أن قرأت له هذا الكتاب وغيره حيث تبين لي أن يحارب أهل التوحيد ويخالفهم فيعقيدتهم مخالفة شديدة ويقول البدعة الحسنة وينتصر للمبتدعة ولم يستفد من دعواهالاحتهاد إلا الانتصار للاهواء وأهلها ما يفعل مجتهدوا الشيعة تماما وإن شئت دليلاعلى ما أقول فحسبك برهانا على ذلك هذا الكتاب " . . . المقبور " فإن قبر كلالأحاديث المتواترة في تحريم البناء المساجد على القبور الذي قال به الأئمة الفحولبلا خلاف يعرف بينهم فهو والحق يقال : جريئ ولكن في محاربة الحق كيف لا وهو يرد كلما ذكرناه من الأحاديث واتفاق الأئمة دون أي حجة اللهم إلا اتباع المتشابه منالنصوص كآية الكهف هذه شانه في ذلك شأن المبتدعة في رد النصوص المحكمات بالمتشابهنعوذ بالله من الخذلان))....تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد حاشية ص 57.

ولولا طلب الاختصار لنقلت لك من حال الغماري هذا ما يندى له الجبين من قوله بإيمان فرعون!! وزعمه أنّ الله يتجلى في الكلاب والخنازير والقرود!!

فقد قال الغماري في كتابه " الجواب المفيد " ( ص 96 ـ 97):((ومسألة إيمان فرعونألف فيها إثباتاً وانتصاراً للشيخ الأكبر ـ العلامة الجامي ـ ورد عليه ذلكالمغفل !! علي القاري الحنفي بكتاب سماه((فر العون من مدعي إيمان فرعون)) مطبوع بالآستانة هو والأصل المردود عليه
ولكن انبرى له العلامة الصوفي المطلعالمتضلع من العلوم المعقولة والمنقولة محمد بن رسول البرزنجي , فألف كتاباً لطيفاًسماه: ((التأييد والعون لمدعي إيمان فرعون)) أتى فيه بما يبهر العقول، كما فعل في أبوي النبي ، وقد قرأت الجميع والحمد لله , والتأييد عندي عليهخطه.اهـ فانظر كيف وصف العلامة علي القاري بالمغفّل! ووصف هذا الجامي المبتدع بالشيخ الأكبر (وهو ليس العلامة محمد أمان الجامي رحمه الله تعالى فتنبّه)
ونقل في أحد كتبه شعرا لأحد كفرة الصوفية ولن ينكره بل أتى به في سياق المدح وهو هذا:

محبوبي قد عمالوجود ****وقد ظهر في بيض وسود

وفي النصارى واليهود****وفي الخنازير والقرود




وهذه المعلومات نقلها عنه تلميذه وصهره (زوج ابنته) أبو خبزة.
قلت: يكفي في نقض هذه الخزعبلات حكايتها، و الله المستعان.

فهل من كان هذا حاله يستشهد به وبكلامه !! نسأل الله السلامة في الدنيا والآخرة.


وممّن استشهد بكلامهم صاحب الوريقات أيضا الشيخ عطيّة صقر الأزهري وهذا الشيخ غفر الله لنا وله عليه بعض المؤاخذات كما نبّه على ذلك أهل العلم وطلبته، والذي يظهر لي والله أعلم بسريرة الرجل أنّه رحمه الله تعالى متؤثّر بالتصوّف والصوفية عبّاد القبور والأوثان، يظهر ذلك جليا في كتابه (أحسن الكلام في الفتاوى والأحكام) فقد قرّر في (ص163) : أن ثوابقراءة القرآن الكريم يصل إلى الميت! بل ويقرّر أنالقرآن إذا قرىء بحضرة الميت فانتفاعه به مرجو ! سواء كان معه إهداء الثواب أم لميكن !(ص202) يقرر في (ص225) أنأول خلق الله هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ! ويستدل بالحديث الموضوعالمكذوب ، إن أول ما خلق نور نبيك يا جابر! وهذا الحديث من كذب الصوفية واختلاقهم! وفي (ص408 ) : سئلعن الطريقة البرهانية الصوفية القبورية فقال هي أحدى الطرق الصوفية ، والطرق الصوفية بوجه عام مدارستربية !! إن كان منهجها متفق مع الدين والعقيدة والشريعة ! فهي مشروعة و إلا كانتغير مشرعة! بل إنّ الرجل يقرّر أن رؤية النبي صلى الله عليهوآله وسلم ممكنة في اليقظة وليس هناك نص يدفع هذا أو يمنعه!! (ص284) كما يفتي بجواز الإحتفال بالمولد النبوي وغيره من موالد أولياء الصوفية الدجّالين!! (ص271) وهذا يدلّ دلالة صريحة على تأثّر هذا الرجل بالصوفية عبّاد القبور فلا عجب أن يجيز الصلاة في وسط تلك القبور!! ولا عجب أيضا أن يستشهد بكلامه صاحب الوريقات المشؤومة الداعي إلى السجود وسط القبور!!! وانظر المزيد من طوامّ هذا الرجل في ما كتبه أخونا أبو عبد الرحمن سمير بن سعيد المصري حفظه الله تعالى في مقالته (أحسن الكلام في الردّ على كتاب: أقبح الكلام في الفتاوى والأحكام) وهو منشور على الشبكة.

والوريقات من ضحالة العلم بمكان فلا أرى ضرورة الردّ عليها فقرة فقرة ويكفينا في ذلك ما سندوّنه في هذه الرسالة إن شاء الله تعالى:

فأقول:

قال شيخ الإسلام الثاني الإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله تعالى:
فصل: ومن أعظم مكايده (أي إبليس) التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلا من لم يرد الله تعالى فتنته: ما أوحاه قديما وحديثا إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور. حتى آل الأمر فيها إلىأن عبد أربابها من دون الله، وعبدت قبورهم، واتخذت أوثانا، وبنيت عليها الهياكل، وصورت صور أربابها فيها، ثم جعلت تلك الصور أجسادا لها ظل، ثم جعلت أصناما، وعبدت مع الله تعالى...
وقال غير واحد من السلف: كان هؤلاء قوماً صالحين فى قوم نوح عليه السلام، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوّروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.
فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل. وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فى الحديث المتفق على صحته عن عائشة رضى الله عنها:"أَنَّ أُمَّ سَلمَةَ رَضىَ اللهُ عَنْهَا ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ تَعالى عليهِ وَآلِه وَسلمَ كَنِيسَة رَأَتْهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، يُقَالُ لهَا: مَارِيَة. فَذَكَرَتْ لَهُ مَا رَأَتْ فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله تعالى عليه وآله وسَلّم: أُولِئكَ قَوْمٌ إذَا مَاتَ فِيهِمُ الْعَبْدُ الصَّالِحُ، أوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولِئكَ شِرَارُ الْخَلقِ عِنْدَ اللهِ تَعالَى".
وفى لفظ آخر فى الصحيحين:"أنَّ أُمَّ حَبيبَةَ وَأُمَّ سَلمَةَ ذَكَرَتَا كنَيِسَةً رَأَيْنَهَا".
فجمع فى هذا الحديث بين التماثيل والقبور، وهذا كان سبب عبادة اللات. فقد رأيت أن سبب عبادة وَدّ ويغوث ويعوق ونسراً واللات إنما كانت من تعظيم قبورهم ثم اتخذوا لها التماثيل وعبدوها كما أشار إليه النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم.
قال شيخنا (يعني شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى): "وهذه العلة التى لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور هى التى أوقعت كثيراً من الأمم إما فى الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك. فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وتماثيل يزعمون أنه طلاسم للكواكب ونحو ذلك.
فإن الشرك بقبر الرجل الذى يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر. ولهذا نجد أهل الشرك كثيراً يتضرعون عندها، ويخشعون ويخضعون، ويعبدونهم بقلوبهم عبادة لا يفعلونها فى بيوت الله، ولا وقت السحر.
منهم من يسجد لها.
وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه فى المساجد.
فلأجل هذه المفسدة حسم النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مادتها حتى نهى عن الصلاة فى المقبرة مطلقا، وإن لم يقصد المصلى بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المساجد، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها، لأنها أوقات يقصد المشركون الصلاة فيها للشمس.
فنهى أمته عن الصلاة حينئذ، وإن لم يقصد المصلى ما قصده المشركون، سدا للذريعة".
قال (يعني ابن تيمية): وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركاً بالصلاة فى تلك البقعة، فهذا عين المحادّة لله ولرسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله تعالى.
فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن الصلاة عند القبور منهى عنها، وأنه لعن من اتخذها مساجد.
فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك الصلاة عندها واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها. وقد تواترت النصوص عن النبى عليه الصلاة والسلام بالنهى عن ذلك والتغليظ فيه.
فقد صرح عامة الطوائف بالنهى عن بناء المساجد عليها، متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة.
وصرح أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعى بتحريم ذلك.
وطائفة أطلقت الكراهة.
والذى ينبغى أن يحمل على كراهة التحريم إحسانا للظن بالعلماء، وأن لا يظن بهم أن يجوزوا فعل ما تواتر عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لعن فاعله والنهى عنه.
ففى صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلى قال: سَمعتُ رسولَ الله صلى اللهُ تعالى عليهِ وَآله وسلم قبل أنْ يَموتَ بخمْسٍ وَهوَ يقول: "إِنى أبْرَأُ إِلى اللهِ أَنْ يَكُون لِى مِنْكمْ خَلِيلا. فَإنَّ اللهَ تَعَالى قَدِ اتَّخَذَنِى خَلِيلا، كما اتّخَذَ إِبْرَاهِيم خَلِيلاً، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذا مِنْ أُمَّتىِ خَلِيلاً لاتّخَذْتُ أَبَا بكْرٍ خَليلا ألا وَإِنَّ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ كانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائهِمْ مَسَاجِدَ، أَلا فَلاَ تَتَّخِذوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فإِنى أَنْهَاكُمْ عَنْ ذلِكَ".
وعن عائشة وعبد الله بن عباس قالا: "لمّا نُزلَ بِرَسُولِ الله صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلم طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لهُ عَلَى وَجْهِهِ. فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا فَقَالَ: وَهُوَ كَذلِكَ، لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِوَالنَّصَارَى، اتّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائهِم مَسَاجِدَ، يُحذرُ مَا صَنَعُوا" متفق عليه.
وفى الصحيحين أيضا عن أبى هريرة رضى الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلم قالَ: "قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائهِمْ مَسَاجِدَ".
وفى رواية مسلم: "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائهِمْ مَسَاجِدَ".
فقد نهى عن اتخاذ القبور مساجد فى آخر حياته، ثم إنه لعن وهو فى السياق من فعل ذلك من أهل الكتاب، ليحذر أمته أن يفعلوا ذلك.
قالت عائشة رضى الله عنها: قال رسولُ الله صلى اللهُ تعالى عليه وآله وسلمَ فى مَرَضِه الَّذِى لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائهِمْ مَسَاجِدَ، وَلَوْلا ذلِكَ لأبْرِزَ قَبُرهُ غَيْرَ أنَّهُ خُشِىَ أنْ يُتَّخَذَ مَسْجِداً" متفق عليه.
وقولها: "خُشي" هو بضم الخاء تعليلا لمنع إبراز قبره. وروى الإمام أحمد فى مسنده بإسناد جيد عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "إِنَّ مِنْ شِرَار النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ القُبُورَ مَسَاجدَ". وفى صحيح البخارى: أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه رأى أنس بن مالك يصلى عند قبر، فقال: القبر، القبر.
وهذا يدل على أنه كان من المستقر عند الصحابة رضى الله عنهم ما نهاهم عنه نبيهم من الصلاة عند القبور. وفعل أنس رضى الله عنه لا يدل على اعتقاده جوازه، فإنه لعله لم يره، أو لم يعلم أنه قبر، أو ذهل عنه.
فلما نبهه عمر رضى الله تعالى عنه تنبه.
فروى مسلم فى صحيحه عن أبى مرثد الغنوى رحمه الله أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال:"لا تجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ وَلا تُصَلوا إِلَيْهَا".
وفى هذا إبطال قول من زعم أن النهى عن الصلاة فيها لأجل النجاسة، فهذا أبعد شئ عن مقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو باطل من عدة أوجه:
منها: أن الأحاديث كلها ليس فيها فرق بين المقبرة الحديثة والمنبوشة، كما يقوله المعللون بالنجاسة.
ومنها: أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد. ومعلوم قطعاً أن هذا ليس لأجل النجاسة.
فإن ذلك لا يختص بقبور الأنبياء، ولأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع، وليس للنجاسة عليها طريق البتة، فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم فهم فى قبورهم طريون.
ومنها: أنه نهى عن الصلاة إليها.
ومنها: أنه أخبر أن الأرض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمام. ولو كان ذلك لأجل النجاسة لكان ذكر الحشوش والمجازر ونحوها أولى من ذكر القبور.
ومنها: أن فتنة الشرك بالصلاة فى القبور ومشابهة عباد الأوثان أعظم بكثير من مفسدة الصلاة بعد العصر والفجر.
فإذا نهى عن ذلك سدا لذريعة التشبه التى لا تكاد تخطر ببال المصلى، فكيف بهذه الذريعة القريبة التى كثيرا ما تدعو صاحبها إلى الشرك ودعاء الموتى، واستغاثتهم، وطلب الحوائج منهم، واعتقاد أن الصلاة عند قبورهم أفضل منها فى المساجد.
وغير ذلك، مما هو محادة ظاهرة لله ورسوله.
فأين التعليل بنجاسة البقعة من هذه المفسدة؟
ومما يدل على أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قصد منع هذه الأمة من الفتنة بالقبور كما افتتن بها قوم نوح ومن بعدهم.
ومنها: أنه لعن المتخذين عليها المساجد. ولو كان ذلك لأجل النجاسة لأمكن أن يتخذ عليها المسجد مع تطيينها بطين طاهر، فتزول اللعنة، وهو باطل قطعاً.
ومنها: أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "اللهُمَّ لا تجْعَلْ قَبْرِى وَثَناً يُعْبَدُ. اشْتَدَّ غَضبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ اتّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ".
فذكره ذلك عقيب قوله: "اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد" تنبيه منه على سبب لحوق اللعن لهم. وهو توصلهم بذلك إلى أن تصير أوثانا تعبد.
وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، وفهم عن الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مقاصده، جزم جزماً لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة منه باللعن والنهى بصيغتيه: صيغة "لا تفعلوا" وصيغة "إنى أنهاكم" ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه، وارتكب ما عنه نهاه، واتبع هواه، ولم يخش ربه ومولاه، وقل نصيبه أو عدم فى تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله.
فإن هذا وأمثاله من النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم صيانة لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه، وتجريد له وغضب لربه أن يعدل به سواه. فأبى المشركون إلا معصية لأمره وارتكاباً لنهيه وغرهم الشيطان. فقال: بل هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين.
وكلما كنتم أشد لها تعظيما، وأشد فيهم غلوا، كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد.ولعمر الله، من هذا الباب بعينه دخل على عبَّاد يغوث ويعوق ونسر، ومنه دخل على عباد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة.
فجمع المشركون بين الغلو فيهم، والطعن فى طريقتهم وهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقتهم، وإنزالهم التى أنزلهم الله إياها: من العبودية وسلب خصائص الإلهية عنهم.
وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم.
(موارد الأمان المنتقى من إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان لابن القيّم بقلم الشيخ المحدّث علي حسن عبد الحميد حفظه الله تعالى ص243-252 دار ابن الجوزي الطبعة الثامنة سنة 1424 بتصرّف)
وقال شيخ الإسلام ومفتي الأنام وبقية السلف الكرام أبو العبّاس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية رحمه الله تعالى وجعل الفردوس مثواه بعد إيراده للأحاديث المتقدّمة:
((فهذا التحذير منه واللعن عن مشابهة أهل الكتاب في بناء المساجد على قبر الرجل الصالح: صريح في النهي عن المشابهة في هذا.
ودليل على الحذر من جنس أعمالهم، حيث لا يؤمن في سائر أعمالهم أن تكون من هذا الجنس.
ثمّ من المعلوم ما ابتلي به كثير من هذه الأمّة من بناء المساجد على القبور واتخاذ القبور مساجد بلا بناء، وكلا الأمرين محرّم ملعون فاعله بالمستفيض من السنّة..))
(إقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لابن تيمية ص 128 مكتبة الصفا الطبعة الأولى سنة 1426هـ تحقيق العلامة العثيمين)
وقال أيضا: ((والصلاة في المساجد المبنية على القبور منهي عنها مطلقا)) (الجواب الباهر في زوّار المقابر ص31 دار الآثار طبعة أولى 1424)

وقال الإمام أبو داود سليمان بن الأشعث صاحب السنن رحمه الله تعالى: ((باب: المواضع التي لا تجوز الصلاة فيها: وذكر حديث أبي سعيد الخدري المتقدّم)) (سنن أبي داود ص81 حديث رقم 492 مكتبة المعارف ط1)
وقال الإمام أبو عمر يوسف ابن عبد البر المالكي رحمه الله: ((وجائز تسطيح القبور وتسنيمها ولا تجصص ولا يبنى عليها)) (الكافي في فقه أهل المدينة، باب جامع في الجنائز) فحرّم الإمام رحمه الله البناء على القبور مطلقا ولم يستثني من ذلك المساجد والله أعلم.
وقال علامة الشام في عصره محمد جمال الدين القاسمي رحمه الله تعالى: (( في فتاوى الإمام النووي رحمه الله: سئل عن مقبرة مسبلة للمسلمين بنى فيها إنسان وجعل فيها محرابا هل يجوز له ذلك وهل يجب هدمه؟ فأجاب بأنّه لا يجوز له ذلك ويجب هدمه.اهـ
وقال ابن حجر في الزواجر: الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة ولسادسة والسابعة والثامنة والتسعون: إتخاذ القبور مساجد وإيقاد السرج عليها واتخاذها أوثانا والطواف بها واستلامها والصلاة إليها ثمّ ساق الأحاديث في ذلك فانظره.
وقال ابن القيّم في ((زاد المعاد)): إنّ الوقف لا يصحّ على غير برّ ولا قربة كما لم يصح وقف هذا المسجد (يعني مسجد الضرار) وعلى هذا فيهدم المسجد إذا بني على قبر كما ينبش الميت إذا دفن في المسجد نصّ على ذلك الإمام أحمد وغيره فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر بل أيّهما طرأ على الآخر منع منه وكان الحكم للسابق فلو وضعا معاً لم يجز ولا تصحّ الصلاة في هذا المسجد لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن ذلك ولعنه من اتّخذ القبر مسجدا أو أوقد عليه سراجا. فهذا دين الإسلام الذي بعث به رسوله ونبيه. وغربته بين النّاس كما ترى. اهـ))
(إصلاح المساجد من البدع والعوائد للقاسمي تحقيق ناصر الدين الألباني ص164-165 المكتب الإسلامي الطبعة الخامسة سنة 14.3هـ)
وقال الإمام سليمان بن عبد الله آل الشيخ رحمه الله تعالى في شرحه لكتاب التوحيد لجدّه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: ((قوله: (فقد نهى عنه في آخر حياته)، أي: كما في حديث جندب.قوله: (ثم إنه لعن) -وهو في السياق- من فعله، أي: كما في حديث عائشة.قوله: (والصلاة عندها من ذلك)، وإن لم يبن مسجدًا، يعني: أن الصلاة عند القبور وإليها من اتخاذها مساجد الملعون من فعله، وإن لم يبن مسجدًا، فتحرم الصلاة في المقبرة وإلى القبور، بل لا تنعقد أصلاً لما في هذه الأحاديث الصحيحة وغيرها، من لعن من اتخذها مساجد.(تيسير العزيز الحميد ص274 تحقيق زهير الشاويش المكتب الإسلامي طبعة أولى 1423)
وقال إمام أهل السنّة والجماعة في الجزائر العلامة السلفي عبد الحميد بن باديس القسنطيني رحمه الله تعالى عند تعليقه على حديث عائشة المتقدّم أَنَّ أُمَّ سَلمَةَ رَضىَ اللهُ عَنْهَا ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ تَعالى عليهِ وَآلِه وَسلمَ كَنِيسَة رَأَتْهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ...الحديث: (هذا الحديث نصّ صريح في المنع من بناء المساجد على قبور الصالحين، وتصوير صورهم، وفيه الوعيد الشديد على ذلك.) وقال أيضا: (هذه هي حالتنا اليوم معشر مسلمي الجزائر وأحسب غيرنا مثلنا، تجد أكثر أو كثير من مساجدنا مبنية على القبور المنسوب أصحابها إلى الصلاح، ومنهم من كانوا معروفين بذلك ومنهم المجهولون. فإن قيل: إنّما بنيت المساجد على تلك القبور للتبرّك بأصحابها لا لعبادتهم، قلنا: إنّ النهي جاء عامّا لبناء المسجد على القبر، بقطع النظر في قصد صاحبه، ولو كانت صورة البناء للتبرّك غير مرادة بالنّهي لاستثناها الشرع، فلمّا لم يستثنها علمنا أنّ النّهي على العموم، ذلك لأنّها وإن لم تؤد إلى عبادة المخلوق في الحال فإنّها في مظنّة أن تؤدي إلى ذلك في المآل... إلى أن قال: وهبها لم تؤد إلى شيء منه أصلا، فكفانا عموم النّهي وصراحته، والعاقل من نظر بإنصاف ولم يغترّ بكل قول قيل)) وقال أيضا: ((علينا أن نصدّق بهذا الحديث بقلوبنا فنعلم أنّ بناء المساجد على القبور من عمل شرار الخلق كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلّم وأن تنطق بذلك ألسنتنا كما نطق به هذا الحديث الشريف وأن نبني عليه أعمالنا، فلا نبني مسجدا على قبر ولا نعين عليه وأن ننكره كما ننكر سائر المنكرات حسب جهدنا)) (الشهاب: (5/7) 1350هـ نقلا عن مجالس التذكير من حديث البشير النذير ص149-156 من مطبوعات وزارة الشؤون الدينية ط1) وله كلام عظيم آخر في نفس المصدر فليراجع فإنّه جد مفيد.
وقال مؤرّخ الجزائر الإمام السلفي الكبير مبارك بن محمّد الميلي عليه رحمة الله: ((وأمّا اتخاذ المزارات فممنوع ولو للصلاة فيها سواء بالبناء على القبور أم بتعليق الخيوط على أشجار أم بوضع المباخر والمصابيح هندها.)) اهـ (الشرك ومظاهره لمبارك الميلي ص239 شركة الشهاب الجزائر)
وقال رحمه الله تعالى: ((قطع السلف لاتخاذ المزارات: وقد علمت الحكم في البناء على القبور (أي تحريم ذلك) وحكمته، وأجمع الصحابة على العمل به)) (نفس المصدر ص246)
وقال إمام أهل السنّة في المغرب الشيخ العلامة محمّد تقي الدين الهلالي عليه رحمة لله عند تعليقه على حديث النبي صلى الله عليه وسلّم: ((لا تتخذوا قبري عيدا و لا بيوتكم قبورا ، و صلوا علي فإن صلاتكم تبلغني)): في هذا الحديث فوائد : ((الثانية : تشبيه النبي صلى الله عليه وسلّم البيت الذي لا يصلى فيه و لا يقرأ فيه القرآن بالمقبرة دليل مفهومه النهي عن الصلاة و قراءة القرآن في المقابر، و قد مر التصريح بذلك في الأحاديث السابقة)) اهـ (الحسام الماحق لكل مشرك ومنافق للشيخ الهلالي).
وقال الإمام المحدّث الرباني محمّد ناصر الدين الألباني عليه رحمة الله: ((أما شمول الأحاديث للنهي عن الصلاة في المساجد المبنية على القبور فدلالتها على ذلك أوضح وذلك لأن النهي عن بناء المساجد على القبور يستلزم النهي عن الصلاة فيها من باب أن النهي عن الوسيلة يستلزم النهي عن المقصود بها والتوسل بها إليه مثاله إذا نهى الشارع عن بيع الخمر فالنهي عن شربه داخل في ذلك كما لا يخفى بل النهي عن من باب أولى . ومن البين جدا أن النهي عن بناء المساجد على القبور ليس مقصودا بالذات كما أن الأمر ببناء المساجد في الدور والمحلات ليس مقصودا بالذات بل ذلك كله من أجل الصلاة فيها سلبا أو إيجابا يوضح ذلك المثال الآتي : لو أن رجلا بنى مسجدا في مكان قفر غير مأهول ولا يأتيه أحد للصلاة فيه فليس لهذا الرجل أي أجر في بنائه لهذا المسجد بل هو عندي آثم لإضاعة المال ووضعه الشئ في غير محله . فإذا أمر الشارع ببناء المساجد فهو يأمر ضمنا بالصلاة فيها لأنها هي المقصودة بالبناء وكذلك إذا نهى عن بناء المساجد على القبور فهو ينهى ضمنا عن الصلاة فيها لأنها هي المقصودة بالبناء أيضا وهذا بين لا يخفى على العاقل إن شاء الله تعالى)) اهـ .
وقال في موضع آخر: ويحرم عند القبور ما يأتي : وذكر أمورا ثمّ قال:
7) الصلاة إلى القبور للحديث المتقدم آنفا .
وفيه دليل على تحريم الصلاة إلى القبر لظاهر النهي وهو اختيار النووي..
8)الصلاة عندها ولو بدون استقبال وفيه أحاديث :
الأول : (صحيح ) عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام).
الثاني : (رجاله رجال لصحيح وله طرق ) عن أنس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بين القبور) .
الثالث : (صحيح ) عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورا) .
الرابع : (صحيح ) عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة .)
9) بناء المساجد عليها .وفيه أحاديث أذكر بعضها :
الأول : (صحيح ) عن عائشة وعبد الله بن عباس معا قالا : ( لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك : (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر [ مثل ] ما صنعوا)قالت في رواية : فلولا ذاك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا .
الثاني : (صحيح ) قوله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم لا تجعل قبري وثنا لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) .
الثالث : (صحيح ) عن جندب قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس يقول : ( [ قد كان لي فيكم أخوة وأصدقاء و] إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله تعالى قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك) .
الرابع : (حسن ) عن عبد الله بن مسعود قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء ومن يتخذ القبور مساجد) .
الخامس : (صحيح ) عن عائشة قالت : ( لما كان مرض النبي صلى الله عليه وسلم تذاكر بعض نسائه كنيسة بأرض الحبشة يقال لها ( مارية ) - وقد كانت أم سلمة وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة - فذكرن من حسنها وتصاويرها . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح [ فمات ] بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله [ يوم القيامة ]) .
والاتخاذ المذكور في الأحاديث المتقدمة يشمل عدة أمور :
الأول : الصلاة إلى القبور مستقبلا لها .
الثاني : السجود على القبور .
الثالث : بناء المساجد عليها.
والمعنى الثاني ظاهر من الاتخاذ والآخران مع دخولهما فيه فقد جاء النص عليهما في بعض الأحاديث المتقدمة وفصلت القول في ذلك وأوردت أقوال العملاء مستشهدا بها في كتابنا الخاص ( تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد ) . وذكرت في تاريخ إدخال القبر النبوي في المسجد الشريف وما فيه من المخالفة للأحاديث المتقدمة وأن الصلاة مع ذلك لا تكره فيه خاصة فمن شاء بسط القول في ذلك كله فليرجع إليه .اهـ (تلخيص أحكام الجنائز ص 86-88 مكتبة المعارف الرياض ط3 سنة 1410هـ).
وقد جعل الشيخ سيّد سابق رحمه الله المقبرة من المواضع المنهي عن الصلاة فيها فقال بعد أن نقل الأحاديث المتقدّمة: ((وعند الظاهرية النهي محمول على التحريم، وأنّ الصلاة في المقبرة باطلة، (هامش) وهذا هو الظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه بحال، فالأحاديث صحيحة صريحة في تحريم الصلاة عند القبر سواء أكان القبر واحدا أم أكثر.)) (فقه السنّة 1/190-191 دار المؤيد، الأولى 1422هـ)

وقال فضيلة الشيخ أبو بكر جابر الجزائري حفظه الله: ((يحرم بناء المساجد على القبور، واتخاذ السرج عليها)) (منهاج المسلم ص214 دار الفكر سنة 1424هـ)

وسئل سماحة الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله عضو هيئة كبار العلماء بالسعودية:
وجدت في كتاب ‏"‏الرَّوض المُربِع‏"‏ للإمام أحمد بن حنبل أنَّ سبعة أماكن لا تجوز فيها الصلاة، ومن هذه الأماكن المقبرة، وعندنا في بلدنا يصلُّون على الميِّت في المقبرة قبل الدَّفن؛ فما حكم ذلك‏؟‏
فأجاب: السائل يقول‏:‏ وجدتُ في ‏"‏الرَّوض المُربِع‏"‏ للإمام أحمد بن حنبل، والكتاب المذكور ليس للإمام أحمد بن حنبل، لكنَّه لأحد مشايخ مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وهو منصور بن يونُسَ البَهوتيُّ، شرح فيه ‏"‏زاد المُستنقع‏"‏ للشيخ موسى بن سالم الحجاويِّ، والكتاب المذكور وأصله كلاهما على المشهور من مذهب الإمام أحمد بن حنبل عند المتأخِّرين من أصحابه‏.‏
ومن المواضع التي ذُكر أنَّ الصلاة لا تصحُّ فيها‏:‏ المقبرة، وهي مَدفَنُ الموتى‏.
‏ وقد ورد ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرجه الترمذيُّ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏الأرضُ كلُّها مسجدٌ؛ إلا المقبرة والحمَّام‏)‏ (‏رواه الترمذي في ‏"‏سننه‏"‏ ‏(‏1/431-432‏)‏ من حديث أبي سعيد الخدري، ورواه أبو داود في ‏"‏سننه‏"‏ ‏(‏1/130‏)‏ من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه‏.‏‏).‏
وروى مسلم عن أبي مرثدٍ الغنويِّ رضي الله عنه؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا تجلسوا على القبور، ولا تُصلُّوا إليها‏)‏ ‏(رواه مسلم في ‏"‏صحيحه‏"‏ ‏(‏2/668‏)‏ من حديث أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه‏.‏‏)‏‏.‏
وعلى هذا؛ فإن الصلاة في المقبرة لا تجوز، والصلاة إلى القبور لا تجوز؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بيَّنَ أنَّ المقبرة ليست محلاً للصَّلاة، ونهى عن الصَّلاة إلى القبر، والحكمة من ذلك أنَّ الصلاة في المقبرة أو إلى القبر ذريعة إلى الشِّرك، وما كان ذريعة إلى الشِّرك؛ كان محرَّمًا؛ لأنَّ الشارع قد سدَّ كلَّ طريق تؤدِّي إلى الشِّرك، والشَّيطان يجري من ابن آدم مجرى الدَّم، فيبدأ أولاً في الذَّرائع والوسائل، ثم يبلغ به الغايات‏.
فلو أنَّ أحدًا من الناس صلَّى صلاة فريضة أو صلاة تطوُّع في مقبرة أو إلى قبر؛ فصلاته غير صحيحة‏‏.‏ (المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ج1/ رقم 117).
وسئل أيضا: يوجد في قريتنا مسجد قديم تقام فيه صلاة الجمعة والجماعة علمًا بأن هذا المسجد يوجد في قبلته مقبرة قديمة وحديثة، كما أن هناك عدة قبور ملتصقة في قبلة هذا المسجد، وكما هو معلوم أن هذه المقبرة يمر في وسطها طريق للرجال والنساء، وأيضًا طريق للسيارات فما هو الحكم في هذا‏؟‏ فأجاب: إذا كانت القبور مفصولة عن المسجد ولم يبن المسجد من أجلها، وإنما بني للصلاة فيه، والمقبرة في مكان منعزل عنهلم يقصد وضع المقبرة عند المسجد، ولم يقصد وضع المسجد عند المقبرة، وإنما كل منهما وضع في مكانه من غير قصد ارتباط بعضهما ببعض، وبينهما فاصل فلا مانع من الصلاة في المسجد؛ لأن هذا المسجد لم يقم على قبور‏.‏ أما قضية مرور الطريق في وسط المقبرة، فالواجب منع ذلك، وتسوير المقبرة وتجنيب الطريق عنها‏.‏ (نفس المصدر ج2/رقم 149).
فبان من كلام الشيخ حفظه الله أنّ الأصل في الصلاة في المقابر أنّها حرام ولا تجوز وكذلك في المسجد المبني على القبور أو في المقبرة فهذا يأخذ نفس الحكم، أما إذا بني مسجد ثمّ وضعت بجانبه مقبرة منفصلة عنه بحيث لا يشك من رآه أنّه منفصل عن المقبرة إنفصالا تاما فهذا لا حرج من الصلاة فيه.
وكلام الشيخ الثاني هذا لا ينطبق على مسجد البحث لأنّ هذا الأخير إنّما وضع في المقبرة ومن حوله قبور ولا يفصل بين المقبرة والمسجد شيء!!
وجاء في الدرر السنية: ج4 ص -265- جمع العلامة ابن قاسم رحمه الله تعالى:
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله على الجميع: عن الصلاة في مسجد فيه قبر؟
فأجاب: إن كان مبنياً قبل أن يجعل فيه قبر، فينبش القبر، ويبعد عن المسجد; فإن كان المسجد لم يبن إلا لأجل القبر، فالمسجد يهدم، ولا يصلى فيه، لأنه ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لعن الذين يتخذون المساجد على القبور؛ ولا تصح الصلاة فيه، ولا تجوز الصلاة عند القبور، ولا عليها، لأنه عليه السلام نهى عن الصلاة في المقبرة.

وأجاب أيضاً: المسجد الذي بني على القبور، يجب هدمه، ولا تجوز الصلاة فيه.
وأما القبر الذي وضع في المسجد بعد بنائه، فينقل من المسجد.اهـ

ومسجدنا الذي هو محلّ البحث يأخذ حكم المسجد المبني على القبور ذلك لأنّ الأصل في تلك البقعة من الأرض أنّها مقبرة ثمّ بني المسجد وليس العكس فتنبّه، فالمسجد هو الطارئ لا المقبرة، ولذلك لا سبيل إلى التلبيس على العوام أنّ الشيخ ابن باز عليه رحمة الله قد صحّح الصلاة في المسجد المحاط بالقبور فإنّ كلامه هذا محمول على ما إذا كان المسجد هو الأصل (أي بني أولا) والمقبرة أو القبور طارئة عليه (أي بعد بناء المسجد أخذ النّاس بدفن الأموات من حوله) أمّا مسجد البحث فلا يتناسب مع كلام الشيخ والله أعلم.

وفي نفس الجزء من الدرر قال:
وأجاب الشيخ محمد بن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، والشيخ سليمان بن سحمان: مسجد الطائف، الذي في شقه الشمالي قبر ابن عباس، رضي الله عنهما، الصلاة في المسجد، إذا جعل بين القبر وبين المسجد جدار يرفع، يخرج القبر عن مسمى المسجد، فلا تكره الصلاة فيه; وأما القبر، إذا هدمت القبة التي عليه، فيترك على حاله، ولا ينبش، ولكن يزال ما عليه من بناء وغيره، ويسوى حتى يصير كأحد قبور المسلمين.اهـ

وهذا يعني أنّه يجب فصل القبر عن المسجد بسور غير سور المسجد فتأكّد ما قلناه آنفا من وجوب فصل المقبرة عن المسجد بسورين لا سور واحد بحيث يكون بين المقبرة والمسجد فاصل يمكن للمرء المرور منه وهذا ما لا يتوافق وحال مسجد البحث، فإنّ هذا الأخير لا يفصله عن المقبرة إلا سور واحد!
بعبارة أخرى: المسجد والمقبرة يشتركان في نفس السور. وقد تقدّم النقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنّ الصلاة في مسجد هذه حاله لاتصح.

وهذا عالمكم الأكبر عالم الجزائر الأوّل فضيلة الشيخ العلامة أبي عبد المعز محمّد علي فركوس أعزّه الله وحفظه يقرّر بطلان الصلاة في المقابر فيقول:
((أمّا المقبرة فليست موضعا للصلاة فيها، ولا تجوز الصلاة فيها ولا إليها للأحاديث النّاهية عن ذلك، (ثمّ ذكر بعض الأحاديث السابقة ومنها حديث أبي سعيد الخدري الذي جعلناه في المقدّمة ثمّ قال):
هذه الأحاديث المورودة عموم النّهي فيها يشمل جنس الصلاة سواء كان فرضا، أداءً كانت أو قضاءً، أو نفلاً، مطلقا كان أو مقيّدا، كما تعمّ الصلاة على الميّت سواء كانت على الجنازة أو في قبره، لكن لمّا ورد حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: ((مات رجل وكان رسول الله يعوده فدفنوه بالليل، فلمّا أصبح وأعلموه، فقال: ما منعكم أن تعلموني؟ قالوا: كان الليل وكانت الظلمة، فكرهنا أن نشقّ عليك، فأتى قبره فصلى عليه، قال: فأمّنا، وصفّنا خلفه، وأنا فيهم وكبّر أربعا)) ومثله عن المرأة السوداء التي كانت تلتقط الخرق والعيدان من المسجد الثابت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، فخصّ من عموم نهيه عن الصلاة في المقبرة صورة الصلاة عن الميّت في قبره بهذه الأدلّة وبقي عموم النّهي شاملا للصلاة على الجنازة وغيرها، أي بقاء النّهي من حيث عمومه متناولا ما عدا صورة التخصيص، وبهذا الحمع التوفيقي بين الأدلّة يزول الإشكال وترتفع الشبهة، ويعمل بكلّ دليل في موضعه، ذلك لأنّ الإعمال أولى من الإهمال والعلم عند الله.)) (جريدة منابر الهدى ص64 السنة الثانية العدد السابع 1422هـ)
وقد يقول قائل كما قال صاحب الوريقات العقيمة أنّ بناء مسجد حيال المقبرة وبجانبها لا يعني البناء على القبور فلا يدخل في نهي النبي صلى الله عليه وسلّم فنقول:
قال الإمام الرباني محمّد علي الشوكاني عليه رحمة الله: (وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلّم؟ أن لا أدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سوّيته...
وفي هذا أعظم دلالة على أنّ تسوية كلّ قبر مشرف بحيث يرتفع عن القدر المشروع واجبة متحتّمة.
فمن إشراف القبور: أن يرفع سمكها أو يجعل عليها القباب أو المساجد.
فإنّ ذلك من المنهي عنه بلا شك ولا شبهة... وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصحّحه النسائي وابن حبان من حديث جابر قال: ((نهى رسول الله (صلى الله عليه وسلّم) أن يجصّص القبر وأن يُبنى عليه وأن يوطأ)) ... وفي هذا التصريح بالنهي عن البناء على القبور، وهو يصدق على ما بني على جوانب حفرة القبر، كما يفعله كثير من النّاس من رفع قبور الموتى ذراعا فما فوقه. لأنّه لا يمكن أن يُجعل نفس القبر مسجدا.
فذلك مما يدل على أنّ المراد بعض ما يقربه مما يتّصل به، ويصدق على من بنى قريبا من جوانب القبر كذلك، كما في القباب والمساجد والمشاهد الكبيرة، على وجه يكون القبر في وسطها أو في جانب منها.
فإنّ هذا بناء على القبر، لا يخفى ذلك على من له أدنى فهم، ... ومن زعم أنّ في لغة العرب ما يمنع من هذا الإطلاق فهو جاهل لا يعرف لغة العرب، ولا يفهم لسانها ولا يدري بما استعملته في كلامها. اهـ (شرح الصدور بتحريم رفع القبور للشوكاني ص13-15 بتصرّف تحقيق العلامة محمد حامد الفقي رحمه الله، دار الوطن للنشر والإعلام)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ((ولا تصح الصلاة في المقبرة، ولا إليها. والنهي عن ذلك إنّما هو لسدّ ذريعة الشرك.
وذكر طائفة من أصحابنا أنّ وجود القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة. لأنّه لا يتناوله اسم المقبرة.
وإنّما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدا. وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق.
بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم: يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور. وهو الصواب.
والمقبرة كل ما قبر فيه.
لا أنّه جمع قبر.
وقال أصحابنا: وكلّ ما دخل في اسم المقبرة ممّا حول القبور لا يصلى فيه فهذا ينبني على أنّ المنع يكون متناولا لتحريم الصلاة عند القبر المنفرد، وفنائه المضاف إليه.
وذكر الآمدي وغيره: أنّه لا تجوز الصلاة فيه، أي المسجد الذي قبلته إلى القبر، حتى يكون بين الحائط والمقبرة حائل آخر. وذكر بعضهم هذا منصوص أحمد.)) (الإختيارات الفقهية من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية للعلامة البعلي رحمه الله ص46 دار الكتب العلمية الطبعة الأولى 1416هـ)
وقال الشيخ الألباني رحمه الله: وقد ذكر شيخ الإسلام في " الفتاوى " وغيرها اتفاق العلماء على كراهة الصلاة في المساجد المبنية على القبور وحكى بطلانها فيها في مذهب أحمد وذلك مستفاد من أحاديث النهى عن اتخاذ القبور مساجد وبنائها عليها وهى مسألة هامة قد أغفلها عامة الفقهاء . اهـ (تمام المنّة ص 299 المكتبة الإسلامية ، دار الراية للنشر ط3 سنة 1409.)
هذا وقد زعم صاحب الوريقات المشؤومة أنّ معنى قول النبي صلى الله عليه وسلّم ‏(‏لا تجلسوا على القبور، ولا تُصلُّوا إليها‏)‏ ‏(رواه مسلم في ‏"‏صحيحه‏"‏ ‏(‏2/668‏)‏ من حديث أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه‏.‏‏)‏‏أي: السجود لها تعظيما لها وعبادة لها !

قلتُ: وهذا تحريف واضح لمعنى الحديث وصرف واضح للحديث عن ظاهره، فإنّ النبي صلى الله عليه وسلّم قال: ((لا تصلّوا إليها)) ولم يقل: ((لا تصلّوا لها)) وفرق بين العبارتين واضح للعيان، إذ الأوّل يقتضي النهي عن الصلاة إلى القبور مطلقا بغض النظر عن قصد المصلّي والثاني يقتضي النهي عن عبادتها، لذلك قال الشيخ عبد العزيز بن ريّس الريّس حفظه الله تعالى: (والسجود للقبور والأوثان شرك أكبر بالإجماع، أما السجود عندها أو إليها ( قدامها ) لا لها ليس شركاً أكبر، ففرق بين السجود للشيء والسجود إليه، قال ابن تيمية: والساجد للشيء يخضع له بقلبه، ويخشع له بفؤاده. وأما الساجد إليه فإنما يولي وجهه وبدنه إليه ظاهراً كما يولي وجهه إلى بعض النواحي إذا أمه ا.هـ (4 / 358)) (الأجوبة العلمية على المسائل الإيمانية للشيخ عبد العزيز الريّس)

فهل بعد هذا البيان من شك في كون المسجد المبني في المقبرة من جنس المساجد المنهي عن الصلاة فيها ؟! فما بال أقوام يسمعون أحاديث الرسول الكريم في تحريم بناء المساجد في المقابر بل ولعن من فعل ذلك وعدّه من شرار الخلق يوم القيامة ويسمعون كلام هؤلاء الأئمة العظام شيوخ الإسلام وسيوف السنّة كالإمام أحمد وابن تيمية وابن القيّم وابن عبد الوهاب وعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ والشوكاني والقاسمي والنووي وابن باديس والألباني وغيرهم وهم يقررون بطلان الصلاة في مثل هذه المساجد ويأمرون من صلى فيها بإعادة صلاته وإن لم يقصد تعظيم القبور ولا أصحابها ثمّ نراهم أفواجا أفواجا يتوافدون إلى مثل هذا المسجد؟! ما هو السرّ في هذا؟! نسأل الله العافية.
أمّا احتجاج صاحب الوريقات بكون قبر النبي صلى الله عليه وسلّم في مسجده وأنّ الصحابة لم ينكروا ذلك فباطل وهو من التزوير والقلب للحقائق!
قال العلامة الحافظ محمد ابن عبد الهاديرحمه الله في ((الصارم المنكي))(ص 136): ((وإنما أدخلت الحجرة في المسجد في خلافة الوليد بن عبدالملك بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة وكان آخرهم موتا جابر بن عبدالله وتوفي في خلافة عبدالملك فإنه توفي سنة ثمان وسبعين والوليد تولى سنة ست وثمانين وتوفي سنة ست وتسعين فكان بناء المسجد وإدخال الحجرة فيه فيما بين ذلكوقد ذكر أبو زيد عمر بن شبة النميري في " كتاب أخبار المدينة " مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم عن أشياخه عمن حدثوا عنه أن ابن عمر بن عبد العزيز لما كان نائبا للوليد على المدينة في سنة إحدى وتسعين هدم المسجد وبناه بالحجارة المنقوشة بالساج وماء الذهب وهدم حجرات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأدخل القبر فيه)).
وخلاصة القول كما قال الشيخ الألباني عليه رحمة الله أنه ليس لدينا نص تقوم به الحجة على أن أحدا من الصحابة كان في عهد عملية التغيير هذه فمن ادعى خلاف ذلك فعليه الدليل وأنّى له ذلك!
وأما قول صاحب الوريقات المشؤومة: ((ولم ينكر أحد من السلف ذلك)) .
فنقول: وما أدراك بذلك؟ وإلا فقد قال الحافظ ابن كثير في تاريخه (9/75) بعد أن ساق قصة إدخال القبر النبوي في المسجد: " ويحكي أن سعيد بن المسيب أنكر إدخال حجرة عائشة في المسجد كأنه خشي أن يتخذ القبر مسجدا"والحقيقة أن قولهم هذا يتضمن طعنا ظاهرا لو كانوا يعلمون في جميع السلف لأن إدخال القبر إلى المسجد منكر ظاهر عند كل من علم بتلك الأحاديث المتقدمة وبمعانيها ومن المحال أن ننسب إلى جميع السلف جهلهم بذلك فهم أو على الأقل بعضهم يعلم ذلك يقينا وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من القول بأنهم أنكروا ذلك ولو لم نقف فيه على نص لأن التاريخ لم يحفظ لنا كل ما وقع فكيف يقال : إنهم لم ينكروا ذلك ؟ اللهم غفرا. (بتصرّف من تحذير الساجد للألباني)
وقد صحّ عن أنس بن مالك الصحابي الجليلأنّه كان يكره أن يبنى مسجد بين القبور.
وعن إبراهيم النخعي الثقة الإمام وهو تابعي صغير مات سنة ( 96 ) أنه كان يكره أن يجعل على القبر مسجدا . فقد تلقى هذا الحكم بلا شك من بعض كبار التابعين من الصحابة.
وفي نيل الأوطار للإمام الشوكاني رحمه الله: وروي عن ابن عباس أنه قال : لا يصلين إلى حش ولا في حمام ولا في مقبرة . قال ابن حزم : ما نعلم لابن عباس في هذا مخالفا في الصحابة وروينا مثل ذلك عن نافع بن جبير بن مطعم وإبراهيم النخعي وخيثمة والعلاء بن زياد عن أبيه.اهـ (النقل عن الثمر المستطاب للألباني 1/392 غراس للنشر والتوزيع ط1)
((يتبين لنا مما أوردناه أن القبر الشريف إنما أدخل إلى المسجد النبوي حين لم يكن في المدينة أحد من الصحابة وإن ذلك كان على خلاف غرضهم الذي رموا إليه حين دفنوه في حجرته صلى الله عليه وسلم فلا يجوز لمسلم بعد أن عرف هذه الحقيقة أن يحتج بما وقع بعد الصحابة لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة وما فهم الصحابة والأئمة منها كما سبق بيانه وهو مخالف أيضا لصنيع عمر وعثمان حين وسعا المسجد ولم يدخلا القبر فيه ولهذا نقطع بخطأ ما فعله الوليد بن عبد الملك عفا الله عنه ولئن كان مضطرا إلى توسيع المسجد فإنه كان باستطاعته أن يوسعه من الجهات الأخرى دون أن يتعرض للحجرة الشريفة وقد أشار عمر بن الخطاب إلى هذا النوع من الخطأ حين قام هو رضي الله عنه بتوسيع المسجد من الجهات الأخرى ولم يتعرض للحجرة بل قال " إنه لا سبيل إليها " فأشار رضي الله عنه إلى المحذور الذي يترقب من جراء هدمها وضمها إلى المسجد .
ومع هذه المخالفة الصريحة للأحاديث المتقدمة وسنة الخلفاء الراشدين فإن المخالفين لما أدخلوا القبر النبوي في المسجد الشريف احتاطوا للأمر شيئا ما فحاولوا تقليل المخالفة ما أمكنهم قال النووي في " شرح مسلم " ( 5/14 ) :

" ولما احتاجت الصحابة والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كثر المسلمون وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه ومنها حجرة عائشة رضي الله عنها مدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد (عزو هذا إلى الصحابة لا يثبت كما تقدم) فيصلي إليه العوام ويؤدي إلى المحذور ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا حتى يتمكن أحد من استقبال القبر ". ونقل الحافظ ابن رجب في " الفتح " نحوه عن القرطبي كما في " الكوكب " ( 65/91/1 ) وذكر ابن تيمية في " الجواب الباهر " ( ق 9/2 ) : " أن الحجرة لما أدخلت إلى المسجد سد بابها وبني عليها حائط آخر صيانة له صلى الله عليه وسلم أن يتخذ بيته عيدا وقبره وثنا.))(بتصرّف من تحذير الساجد للألباني)

فهل ضاقت علينا الأرض وهل قلّة المساجد حتى لا نصلّي إلا في مسجد هذه حاله ؟!
فإلى كلّ من وصله هذا الخطاب اتقّ الله تعالى واستبرئ لعرضك ودينك باتقاء الشبهات واعمل بنصيحة نبيك صلى الله عليه وسلّم القائل: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) والقائل: (إذا حاك في نفسك شيء فدعهُ) (الصحيحة 550)
أخي الحبيب ها قد أوضحنا لك بالأدلة القطعية حكم الصلاة في المساجد المبنية على المقابر عموما، فكن من عباد الله الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. ولا تكن ممّن حقّت عليهم كلمة الله: ((سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتّخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا))
هذا وأسأل الله أن يفقهنا في ديننا وأن يجعلنا ممّن يتقون الشبهات إنّه تعالى على كلّ شيء قدير..

أخوكم عبد الله الميلي

آخر تعديل بواسطة ابو عبد الله غريب الاثري ، 07-25-2009 الساعة 06:41 PM
رد مع اقتباس