عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 07-21-2008, 07:03 PM
الصورة الرمزية السوقري
 
السوقري
نبض جديد

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو
  السوقري غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 16842
تـاريخ التسجيـل : Jul 2008
الــــــــجنــــــس :
الـــــدولـــــــــــة : Sougueur
المشاركـــــــات : 26 [+]
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : السوقري is on a distinguished road
افتراضي الديني والسياسي في التعامل الغربي مع القرآن

الديني والسياسي في التعامل الغربي مع القرآن

رؤية شاملة

بقلم / الدكتورة زينب عبد العزيز
إن قراءة الغرب المسيحي للقرآن الكريم واحدة لم تتغيّر ، وتعامله مع القرآن ، سواء من خلال الرؤية التاريخية أو الرؤية الواقعية، يتّبع منهجية عدائية الموقف ، وإن تنوعت الأساليب وفقا للعصور ، والحديث عن تعامل الغرب مع القرآن يحتّم علينا تحديد أي فئة نعنى ، فالغرب يضم ملايين المسلمين من جهة ، ومن جهة أخرى ليس كل المسيحيين معادون للقرآن أو للإسلام والمسلمين ، لذلك سنحدد دائما قائلين : الغرب المسيحي أو المسيحي المتعصب، إلخ ..
ومن ناحية أخرى فإن تناول القرآن الكريم يعنى حتماً وضمناً تناول الإسلام والمسلمين ، فهو الكتاب المنزّل الذي يتبعونه ؛ لذلك آثرت إضافة عبارة " رؤية شاملة " على موضوع المحور الرابع لتناول هذه القضية بصورة أوضح وأعم .
1 – الجانب الديني :
أ – نظرة عامة :
حينما بدأ سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام دعوته في القرن السابع الميلادي كانت المسيحية الكنسية تتخبط في حروبها الداخلية والخارجية الناجمة عن أكبر عملية تحريف تمت في التاريخ ، وهى : تأليه السيد المسيح في مجمع نيقية الأول سنة 325 م ، ثم اختلاق بدعة الثالوث بتأليه الروح القدس في مجمع القسطنطينية عام 381 ومساواة الله بالابن بالروح القدس، ثم جعل السيدة مريم " أم الله " في مجمع إفسوس عام 431 – الأمر الذي أدى إلى خلافات عقائدية جذرية لا تزال قائمة فيما بينهم ، وذلك إلى جانب العديد من الخلافات التي لا شأن لنا بها هنا ، وفي نفس ذلك الوقت كانت هناك مناطق بأسرها لم تُفرض عليها المسيحية بعد كإنجلترا وبلاد ساكس و جرمانيا و بافريا وشمال إسبانيا وغيرها.
وأقول " أكبر عملية تحريف تمت في التاريخ " لأننا جميعا دفعنا ولا زلنا ندفع ثمن هذا التحريف ، سواء من اعترضوا عليه من المسيحيين ، أو من رفضوه بناء على تعاليم دينهم الذي أتى كاشفا ومصوبا لهذا التحريف أو حتى أتباع الديانات الأخرى بمحاولة تنصيرهم.
وفى القرن الثامن كانت المسيحية تتصارع لكبح جماح الانشقاقات التي تعانى منها نتيجة لتحريف رسالة التوحيد وغيرها ، بينما كانت راية الإسلام ترفرف على مساحات شاسعة تربط آسيا بالمحيط الأطلنطي ، ويقول فيليب سيناك (Ph. Sénac) في كتابه المعنون : صورة الآخر إنه : " حتى القرن الثالث عشر كانت معظم الوثائق المكتوبة عن الإسلام والمسلمين والتي حددت صورته في نظر الغرب بأقلام رجال كنسيين – وهى كتابات مغرضة يدفعهم وضعهم اللاهوتي إلى نقد وتحريف ديانة ليست ديانتهم " ( صفحة 10 ) .
ثم يوضح المؤلف كيف كانت الكتابة آنذاك حكراً على هؤلاء الكنسيين ، وكيف تصدت الكنيسة في بادئ الأمر للإسلام على أنه انشقاق من الانشقاقات أو هرطقة من الهرطقات التي عليها القيام بقمعها أو اقتلاعها لأنها تخالف ما فرضته من تعاليم.
وقد امتد تشويه الإسلام على أيدي العديد من علماء ذلك الغرب في مختلف المجالات الدينية والثقافية والأدبية والعلمية، بدءاً بتشويه معاني القرآن الكريم في الترجمات التي قاموا بها منذالقرن الثاني عشر أيام حرب الاسترداد ، ويكفي أن نطالع ما كتبه المستشرق الفرنسي رجيس بلاشير R. Blachère في كتابه المعنون : القرآن الصادر سنة 1969 حين قال : " لقد طلب بطرس المبجل ، رئيس دير كلونى ( Cluny ) من المترجم أن تتم ترجمته بحيث من يقرأها من المسلمين ، الذين تم تنصيرهم حديثا ، أن تمحو أي أثر للإسلام من ذهنهم " ( صفحة 9 ) .
الأمر الذي نجم عنه سلاح ذو حدّين : فهو من جهة يمثل تشويها متعمدا للقرآن وللإسلام ، ومن جهة أخرى فإن هذه الكتابات المغرضة والمعادية تمثل أساس المراجع التي تتم دراستها في المدارس والجامعات الغربية.. مما أدى إلى تكوين نوع من الطبيعة التلقائية المعادية للقرآن وللإسلام والمسلمين.
ب – سبب هذا العداء :
ويرجع هذا العداء المتواصل ضد القرآن إلى أنه يمثل الدليل الإلهي الثابت تاريخيا ضد التحريف الذي قامت به الأيادي العابثة في رسالة التوحيد ، فما أكثر الآيات التي تدين هذه الأفعال ، ومنها: " لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة " (37 / المائدة) ، و" لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم " (17 / المائدة) ، و " يحرفون الكلم من بعد مواضعه " ..الآية (13 / المائدة) و " يسمعون كلام الله ثم يحرفونه " الآية .. (41 / المائدة) – ولا نقول شيئا عن الآيات التي تتنبأ وتحذر مما يدور حاليا ...
والمعروف علميا عن كل صاحب جريمة أن أول ما يهتم به هو طمس معالم الأدلة التي تكشف عن فعلته أو تُثبت إدانته .. وهذا هو السبب الحقيقي لذلك العداء المستحكم ، الذي لم يترك مجالا إلا واستغله لتشويه القرآن ومقاصده ، أو لتشويه صورة الإسلام والمسلمين .
وقد كان يوحنا الدمشقي المتوفى سنة 749 م أول من تولّى هذه المهمة بشراسة ، ففي كتابه المعنون : نبع المعرفة ضمّنه فصلا عن القرآن والإسلام والمسلمين تحت باب الهرطقة ، وتبعه نيسفور، (758 – 829 ) بطريارك القسطنطينية ، في نفس خط الذم الجارح والتسفيه.
وتواصلت المسيرة التي لم تتوقف حتى يومنا هذا.. ففي القرون الوسطى أنشئوا المعاهد لدراسة اللغات الشرقية ودراسة القرآن الكريم ، لا لفهمه وإنما لدراسة كيفية الهجوم عليه أو استخدام بعض آياته لتمرير عمليات التنصير وتسهيلها ، وهاهم حديثا يُنشئون المعاهد لتخريج الأئمة بغية تكوين جيل يفرض ما أطلقوا عليه "الإسلام الغربي" و"الإسلام الفرنسي" وغيرها من المسميات والمجالات التي لا تهدف إلا إلى تفريغ القرآن من مضمونه العقائدي والجهادي والاجتماعي وقصره، إن أمكن، على مجرد الحركات الشعائرية !
كما بدءوا الحروب الصليبية التي أعلنها البابا أوربان الثاني في مجمع كليرمونت سنة 1095 ، وإن كان قد سبق الإعداد لها وممارستها على نطاق أضيق قبل ذلك بكثير ، ولقد أعلنها باسم الرب ، و طالب "جنود المسيح " – كما أطلق عليهم ، بحياكة علامة الصليب على صدور ثيابهم وعلى ظهورهم وعتادهم.. وفى واقع الأمر لم تندلع هذه الحروب ضد المسلمين والمد الإسلامي فحسب ، وإنما امتدت أيضا ضد الشعوب التي لم يتم تنصيرها بعد وضد الشعوب المنشقة كالأريوسيين والكاتار، لإبادتها ..
امتدت هذه الحروب شرقا وغربا لنشر مسيحيتها بالسيف والمذابح وبمحاكم التفتيش – وما أكثر المراجع التي تتناول هذا التاريخ الدامي الذي وصم الحضارة الغربية المتعصبة.
ولا شك في أن المجامع ورجال الإكليروس هم الذين كانوا يغذّون مثل هذا التعصب ، ولا يسع المجال هنا لنقل كل قراراتهم ، ويكفى أن نطالع ، على سبيل المثال ، القرار رقم 25 من مجمع فيينا المسكوني ، المنعقد فيما بين 1311 و 1312م ، برئاسة البابا كليمانت الخامس ، الذي أمر بقيام حملة صليبية جديدة ، و يقول القرار : " من المهين للاسم الإلهي ومن العار للعقيدة المسيحية أن يحدث في بعض مناطق العالم الخاضعة لأمراء مسيحيين ، ويسكن فيها مسلمون مع المسيحيين ، أحيانا منفصلين وأحيانا أخرى مختلطين معهم ، أن يقوم شيوخهم بالدعاء والإعلان عن اسم محمد في مساجدهم (ويكتبونه "ماأوميه" تحريفا) ، حيث يجتمع المسلمون ليعبدوا محمد الغدّار ( le perfide) ، وذلك كل يوم وفى ساعات محددة، في مكان مرتفع ، ويرتلون علانية بعض العبارات تكريما له ، وهو ما يسمعه كل المسيحيين والمسلمين ، والأدهى من ذلك أن يتم هذا أيضا في مكان آخر قد دُفن فيه أحد المسلمين الذي يبجله المسلمون كقديس و يعبدونه ، وهناك عدد كبير من القادمين من نفس هذه المناطق وغيرها يجتمعون علانية ، وهو ما يحط من شأن عقيدتنا ويولد فضيحة كبرى في قلوب الأتباع ، وبما أن هذه الأشياء التي لا تروق للجلالة الإلهية لا يمكن أن نتحملها ، فإننا نمنع بصرامة وبموافقة هذا المجمع المقدس أن تتم مثل هذه الأشياء داخل الأراضي المسيحية ، وبما أن الكاثوليك الحقيقيين هم المدافعون الأمناء عن العقيدة المسيحية فإننا نفرض بكل إلحاح مستشهدين بالحكم الإلهي، على جميع الأمراء وعلى كل واحد منهم ، الذين يقيم تحت سلطتهم هؤلاء المسلمون ويمارسون هذه الأشياء ، أن يقتلعوها تماما من أراضيهم وأن يحرصوا على استبعاد العار الذي يجلبه لهم ولباقي أتباع المسيح ما ذكرناه بعاليه، وأن يتمعنوا في المكافأة التي سيحصلون عليها في نعيم الآخرة ، إننا نمنع بصرامة أي أحد تابع لسلطتهم أن يغامر بعد ذلك أو أن يجرؤ على ذكر أو الإعلان عما قلناه سابقا : أي ذكر الاسم الدنس لمحمد (le nom sacrilège) ، أو أن يذهبوا إلى الحج المذكور ، إن الذين سيجرؤون على التصرف بعكس هذا سيتم تأديبهم ، باسم التحية الواجبة لله ، بطريقة بحيث إن الآخرين سيبتعدون عن القيام بنفس الخطأ من هول الرعب المنعكس عليهم" (المجامع المسكونية، ج/ 2 ، صفحة 787 ) .
ومن الواضح أن النيّة معلنة لا منذ مطلع القرن الرابع عشر فحسب وإنما قبله بكثير على منع الآذان ، ومنع أداء فريضة الحج لمنع انتشار الإسلام أو اقتلاعه ، وياله من تسامح غفلنا عنه طويلا حتى استشرى بجنون لا حد له!!
ويوجد في هامش ذلك القرار اسم المرجع المتضمن لوسائل التعذيب التي ستؤدى إلى الرعب المهول الكفيل بمنع المسلمين من الصلاة ، أو من أداء فريضة الحج ، وتلك هي "السماحة" التي شبّ عليها الكنسيون تجاه القرآن والإسلام..
ج – المجمع الفاتيكاني المسكوني الثاني (1965 ) :
يمثل هذا المجمع نقطة فارقة في تاريخ المسيحية ، فهو أول مجمع هجومي في التاريخ بالمعنى الواضح للكلمة ، وأول مجمع يخرج خروجا سافرا عن تعاليمه ونصوصه الدينية من أجل الأغراض السياسية أو بسبب ضغوطها.. وقد أصدر هذا المجمع ثلاثة أنواع من الوثائق التنظيمية الدينية ، والاجتماعية ، والسياسية التاريخية ، ومن أهم هذه القرارات إجمال فيما يعنى هذا البحث :
1- تبرئة اليهود من دم المسيح ، رغم مخالفة ذلك للعقيدة والنصوص الشديدة الوضوح.
2 - اقتلاع اليسار في عقد الثمانينيات (من القرن العشرين) حتى لا تبقى أية أنظمة بديلة للرأسمالية الاستعمارية ، وذلك بالتواطؤ بين الفاتيكان والمخابرات المركزية الأمريكية وجورباتشوف... وما أكثر ما كتب عن تفاصيل اختلاق ح** " تضامن" في بولندا، واختلاق "العام المريمي" لتأجيج مناخ ديني مفتعل ، أو عن المبالغ التي أهدرت لتنفيذ هذه المخططات .
3- اقتلاع الإسلام حتى تبدأ الألفية الثالثة وقد تم تنصير العالم.
4 - توصيل الإنجيل لكافة البشر.. وهى الصيغة المضغمة التي تم إعلانها آنذاك ، ثم قام البابا يوحنا بولس الثاني عام 1982 بتوضيحها في خطاب رسمي معلنا ضرورة نصير العالم ، موضحا أن ذلك لا رجعة فيه ..(لأنه قرار مجمع مسكوني) !
5 - توحيد كافة الكنائس تحت لواء كاثوليكية روما ، وإنشاء لجنة خاصة بذلك ، رغم الخلافات العقائدية الجذرية بينها ، وعندما لم يتم المطلوب، راح يوحنا بولس الثاني يحثهم قائلا : " إن هذه هي الوسيلة الوحيدة للتصدي للمد الإسلامي " (وارد في كتاب : الجغرافيا السياسية للفاتيكان )
6 - فرض عملية التبشير على كافة المسيحيين ، الكنسيين منهم والمدنيين ، وهى أول مرة في التاريخ تقوم فيها الكنيسة بإصدار قرارات مكتوبة ومعلنة خاصة بالمدنيين الذين لا يندرجون رسميا في الهيكل الكنسي.
7 - استخدام الكنائس المحلية في عمليات التبشير ، الأمر الذي يضع الأقليات المسيحية ، في البلدان التي يعيشون فيها، في موقف عدم الأمانة أو الخيانة..
8 - فرض بدعة " الحوار" كوسيلة للتبشير وكسب الوقت حتى يتم التنصير بلا مقاومة ..
9 - إنشاء لجنة للحوار برئاسة الكاردينال آرنزى .
10 - إنشاء لجنة خاصة بتنصير العالم برئاسة الكاردينال يوسف طومكو ، وقد قام أعضاء اللجنتين بإصدار وثيقة مشتركة في 20/6/1991 بعنوان : "حوار وبشارة " تتضمن التوجيهات اللازمة لعملية التنصير الدائرة منذ ذلك الوقت في تصعيد متواصل.
وإضافة إلى إعلان البابا في سنة 1982 م عن ضرورة تنصير العالم ، فقد أصدر خطابا رسوليا بعنوان : عشية الألف الثالثة ، في عام 1995 ، يعد بمثابة خطة خمسية لتنصير العالم قبل حلول مطلع الألفية الثالثة ، وقد وصفته آنذاك صحيفة لو موند ديبلوماتيك الفرنسية قائلة : إنه يسير على الإسلام بوابور ظلط لدكه تماما ! وذلك إضافة إلى إقامة المؤتمرات العالمية الكبرى للتنصير..
2 – الجانب السياسي :
وأول ما نبدأ به هنا هو تحديد أن الربط بين المجالين ، الديني والسياسي ، مفروغ منه لا على أنهما يمثلان أساس هذا البحث فحسب ، وإنما لتضافرهما الشديد في سياق الأحداث الراهنة ، وقد رأينا أن الهدف الديني الثابت والواضح للغرب المسيحي هو : تنصير العالم، وإن كان الترتيب قد أُعد ليتم ذلك عشية الألفية الثالثة، وأنه قرار لا رجعة فيه ، وهو ما يمثل جزءا لا يتجزأ من نظام العولمة ، الرامي إلى جعل العالم خاضع لنظام ديني وسياسي واقتصادي وفكري واجتماعي واحد ، أو ما يطلقون عليه " قرية واحدة " ، حتى تسهل قيادته بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية والكنيسة الفاتيكانية ، وبالتالي العمل على اقتلاع الحضارات الأخرى بعقائدها – وخاصة الإسلام ، الذي أتى شاهداً على عمليات التحريف التي تمت في رسالة التوحيد ، ومصوباً لها ، ومن أهم هذه الوسائل المستخدمة حاليا المجالات التالية :
أ – مجلس الكنائس العالمي :
عندما فشل الغرب المتعصب في تنصير العالم عشية الألف الثالثة قام مجلس الكنائس العالمي في يناير 2001 ، بإسناد مهمة اقتلاع الإسلام إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، مع تسمية هذا العقد (2001 – 2010 ) "عقد اقتلاع الشر" وما هي إلا بضعة أشهر حتى اختلقت الإدارة الأمريكية مسرحية " الحادي عشر من سبتمبر" لتتلفع بشرعية دولية قبل تنفيذ مشاريعها الاستعمارية التنصيرية.
ومجلس الكنائس العالمي منظمة تضم 347 كنيسة مختلفة ، منتشرة في 120 بلد وتمثل كافة الاتجاهات المسيحية باختلافاتها العقائدية ، إلا أن الكنيسة الكاثوليكية الفاتيكانية ليست عضوا بالمجلس (لأغراض تنظيمية سياسية ...) لكنها تتعاون معه بفاعلية مكثفة...
وقد قام مجلس الكنائس العالمي الذي يعمل بجهود مشتركة مع لجنة تنصير العالم ولجان أخرى، بعقد أكبر مؤتمر عالمي للتبشير، من 9 إلى 16 مايو 2005 باليونان ، لتوحيد عمليات تنصير العالم بين مختلف الكنائس ، وخاصة الكنيسة الإنجيلية والعَنْصَرية والكاثوليكية الرومية.
وعلى الرغم من توجيه عمليات التبشير في ثلاثة مجالات أساسية : بلدان الكتلة الشرقية السابقة ، والدول المسيحية التي تفشى فيها الإلحاد ، والدول الإسلامية وباقي الديانات الأخرى ، فإن التركيز على القرآن والإسلام يحتل الصدارة في جدول الأعمال ، وتتوالى مؤتمرات التبشير المحلية والعالمية بإصرار ودأب ، مثلما تتوالى المغالطات والأكاذيب والتعامل بوجهين ..
ومن أهم القرارات التي أسفر عنها ذلك المؤتمر الذي يتوسط "عقد اقتلاع الشر" البنود التالية :
* – تفادي أية صراعات أو منافسة بين الكنائس المختلفة أثناء عمليات التبشير.
* – الإصرار على أن " رسالة الله" التي تفرضها الكنائس موجهة لكافة البشر.
* – أنه يقع على الكنيسة توجيه الناس إلى التوبة ليدخلوا حياة جديدة بيسوع المسيح .
* – أن الكنيسة بأسرها مطالبة بتوصيل الإنجيل للعالم أجمع .
* – أنه لابد من غرس كنائس المسيح في الثقافات المحلية لتسهيل تنمية الإيمان المسيحي .
* – دراسة كيفية التغلب على الوجود المتزايد للديانات الأخرى ، وخاصة الإسلام، في كل من أوروبا وأمريكا الشمالية فهو يمثل تحديا حقيقيا لنشاطات المبشرين..
وقد يفسر هذا القرار الأخير الجوانب الخلفية لأحداث الشغب في فرنسا (أكتوبر/نوفمبر 2005) وردود فعل الحكومة الفرنسية القمعية بحيث أعلن مسئولون في منظمات اجتماعية وعدد من المحامين والقضاة : أنها تتبع " سياسة المذبح العاجلة" بالضغط على الاستجوابات الجماعية وأحكامها غير المنطقية بالسجن أو بالطرد (جريدة لو موند في 24 / 11 / 2005 )
ب – التحالف الأمريكي :
لم يعد خافيا على أحد أن التحالف العسكري الذي قادته الإدارة الأمريكية مع المحافظين الجدد ، ينطلق بجنون لاستغلال منابع الطاقة والمواد الأولية ، مستخدمين كافة وسائل التدخل في الشئون الداخلية للعالم الإسلامي والعربي ، لتغيير أنظمتها بالتوسع الاستعماري والعسكري ، ضاربين عرض الحائط بالقانون الدولي.
ويَخفى أو يُغطى هذا التحالف طموحاته الاستعمارية – الاقتصادية - الدينية بتسميم وسائل الإعلام والمؤسسات الدولية بأكاذيب مفتعلة ليس بقادر على إثباتها ، ونكتفي هنا بذكر تصريح لورنس ويلكرسن، نائب وزير الخارجية الأسبق ، كولن باول ، من أن : " كلا من ديك تشيني ووزير الدفاع رامسفيلد قد تمكنا باستعمال سلسلة من الأكاذيب والتلفيق أن يجرّا البلاد كلها نحو أتون الحرب " . كما يقوم هذا التحالف بخلق جماعات إرهابية، واختلاق الحجج ، ونشر نظرية "المؤامرة الإسلامية " للسيطرة على العالم ، اعتمادا على تأجيج نار صراع الحضارات للاستحواذ زورا وعدوانا على سلطاتٍ تؤدي إلى تنفيذ قرارات المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني (1965) وتدمير العالم الإسلامي والعربي.
فمن المعروف عن الغرب المسيحي المتعصب أن قرارات المجامع المسكونية مُلزمة لكافة الملوك والرؤساء المسيحيين.. لذلك نرى هذا التضافر الرهيب بين الموقف السياسي والموقف الديني في الغرب المسيحي بهذه الصورة الهستيرية.
وما يدور في أفغانستان والعراق على مرأى ومسمع من الجميع لم يعد بحاجةٍ إلى شرحٍ أو توضيح ، فقد تحولت أفغانستان منذ احتلالها إلى أكبر مستودع لمزارع نبات الأفيون في العالم بينما تقوم بتحليله وتسويقه كبرى الشركات الأمريكية وعصابات غسيل الأموال.. أما حُجة احتلال العراق فهي من السذاجة التافهة بحيث لا تحتاج إلى مزيد من الكلمات لتوضيح تلفيقها .
وقد تابع العالم أول بأول تقريبا كيفية تسلل المبشرين مع جنود المارينز ، وكيفية حشر الأناجيل مع العتاد الحربي والمؤن الغذائية، وكيفية وقف الدراسة إلى أن يتم تغيير المناهج ، بل لقد تابعت الصحافة العالمية والمحلية تعليقات كل من بيلى وفرانكلين جراهام اللذان أعلنا : " إن الإسلام دين شيطاني ، ولا بد من تنصير كافة المسلمين" (لوس أنجلوس بوست في 4/4/2003).
كما أعلنت وكالة الأسوشييتد برس في 25/4/2003 : " أن الولايات المتحدة لن تسمح بقيام نظام يوجهه رجال الدين في العراق على غرار ما يحدث في إيران " وهو ما يوضح ترابط السياسي والديني في هذه الحرب السافرة التي يقودونها ضد الإسلام.
وقد تم في نفس ذلك الوقت تقريبا فرض عملية تجفيف الإسلام من المنبع (كما يقولون) في العالم ، وتحجيم المعاهد الدينية، وإغلاق كتاتيب تحفيظ القرآن ، وتحديد إنشاء المساجد، والأمر بتقليل طباعة القرآن الكريم تقليلا تدريجيا، بحيث تتوقف طباعته تماما بعد فترة معينة، وتغيير نصه بحذف بعض الآيات أو بإصدار نص جديد مثال "الفرقان الحق" الذي اختلقوه وأغرقوا به العديد من المناطق..
ولا نقول شيئا عن تدنى أخلاقيات المحطات التليفزيونية والإذاعية المعادية للقرآن وللإسلام.. وغنىّ عن القول أن "المنبع" الذي يقصدونه في الإسلام هو القرآن الكريم ومختلف وسائل حفظه، بعد أن فشلوا في الوصول إلى مآربهم عن طريق تحريف ترجماته أو عن طريق بتر معطياته لمحاربته بها كزعم اضطهاده للمرأة ، وما إلى ذلك.
وها هي أحداث الشغب التي اندلعت في ضواحي باريس في أكتوبر/ نوفمبر 2005 تتحول إلى مناسبة لسب أحد نصوص القرآن الخاص بتعد الزوجات :
فقد أعلنت هيلين كارير دانكوس ، الأمين الدائم للأكاديمية الفرنسية "أن تعدد الزوجات هو أحد أسباب أعمال الشغب في ضواحي باريس والأمر شديد الوضوح : كثير من الأفارقة مزواجون ، وفى المسكن الواحد توجد ثلاث أو أربع زوجات و 25 طفلا ، أنهم مكدسون بحيث لم تعد هذه المساكن المكتظة تسمّى مساكن ، وإنما شيء آخر".
وفى يوم 15/11/ 2005 صرح وزير العمل الفرنسي لجريدة الفايننشيال تايمز البريطانية قائلا : " إن تعدد الزوجات هو أحد الأسباب المحتملة لأحداث الشغب التي اندلعت طوال ثلاثة أسابيع في ضواحي باريس" وقد علقت الجريدة في موقعها الإلكتروني بأن هذا التصريح الذي يمكنه أن يشعل المناقشات حول أزمة الضواحي قد يهين المسلمين والمنظمات المعادية للعنصرية.. وكان قد سبق لوزير الداخلية الفرنسي ، ***ولا ساركوزى استغلال قضية الحجاب في فرنسا وتوظيفها لإدخال منظومة صراع الحضارات في الصراعات السياسية الفرنسية ، ثم راح يلوح بقدوم الإرهاب ..
ومن الملاحظ من متابعة الصحافة الفرنسية في الفترة التي سبقت أحداث الشغب تلك أنها ظلت تردد وتحذر شبه يوميا عن قرب وقوع هجمات إرهابية – وكأنها بذلك تعد الرأي العام الفرنسي والعالمي لربط هذه الإحداث بالقرآن الذي يسمح بتعدد الزوجات ، وبالتالي ربطها بالإسلام والمسلمين الذين تسعى للتخلص من وجودهم.
وهو مثال آخر على تحالف الديني والسياسي في هذه الحرب الصليبية التي يقودها الغرب المتعصب ، كما أن ما فعلوه بأرض العراق وحضارته دليل آخر لا نزال نعيش أحداثه المريرة ، ففي 15/1/2005 نشرت صحيفة الجارديان البريطانية مقالا افتتاحيا يتناول التدمير المتعمد لتراث الحضارة البابلية على أيدي قوات الاحتلال، نورد منه ما يلي :
"إن الدمار الذي سببه إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية على حطام مدينة بابل التاريخية، أحد أهم وأشهر المناطق الأثرية في العالم، يعتبر أحد الأعمال البربرية الثقافية الأكثر دناوة في ذاكرة التاريخ الحديث، إذ إنه عمل لا تبرره أية ضرورة عسكرية ، وكان من الممكن تجنبه تماما ، فلم تكن هناك حاجة لبناء المعسكر في المدينة ، حيث كانت توجد حدائق بابل المعلقة، وهى إحدى عجائب الدنيا السبع في العالم القديم.
ويقول د. جون كورتيز، كاتب المقال ،إن السلطات الأمريكية كانت على علم تام بتحذيرات علماء الآثار بالأهمية الأثرية العالمية لهذه المنطقة، ورغمها فقد تجاهلت القوات الأمريكية هذه التحذيرات تماما" ولم يقتصر الدمار الذي لحق بالموقع على هدم بعض الصروح الأثرية النادرة مثل بوابة الإله عشتروت ، بل امتد إلى ما يقرب من ثلاثمائة ألف متر مربع من المنطقة الأثرية، تم تسويتها بالأرض ودفنها في الردم المأخوذ من مناطق أخرى لإنشاء مهبط لطائرات الهيلوكوبتر ومواقف لسيارات النقل الثقيل ، لم تكن هناك أية ضرورة لوضعها فوق ذلك الكنز الأثري.
إن هذا العمل الإجرامي أثريا وحضاريا ودينيا يعنى أن مواقع أثرية لم يسبق التنقيب فيها قد تم تدميرها إلى الأبد.. أو كما يقولون بلغتهم الشهيرة التي سبق وأعلنوها : قد " دكوها إلى ما قبل العصر الحجري" ..
وتدمير التراث الإنساني والحضاري للعراق لم يكن عفوياً أو عن غير قصد ، بل لقد تم الترتيب له قبل العدوان بأسابيع معدودة عندما قاموا بتغيير قانون الآثار لتسهيل خروجها ، فما أعلنه الأستاذ سعد إسكندر ، مدير المحفوظات الوطنية ، يؤكد أن هناك ما يزيد على واحد وخمسين ألف قطعة أثرية عراقية مفقودة ، إضافة إلى سرقة ونهب أكثر من 60 % من تاريخ العراق المكتوب ، وهذه النسبة تمثل ملايين المخطوطات والسجلات والوثائق الملكية منذ العهد العثماني ، وهو ما يعنى : اقتلاع متعمّد للتراث .
ويقول المثل العامي : " العيب من أهل العيب ما يبقاش عيب " !.. فهؤلاء الطغاة قد نشئوا ودأبوا على اقتلاع الآخر سواء جغرافيا أو حضاريا أو دينيا ، فما فعلوه بالسكان الأصليين للأمريكاتين وأستراليا وزنوج إفريقيا ، أو تعذيبهم وإبادتهم لملايين البشر، لا يمكن محوه من ذاكرة التاريخ .. وهو نفس ما قامت به الأيادي العابثة التي كونت الكنيسة الأولى ، وقيامها باقتلاع كل من يخالفها من أفراد أو شعوب ، وإبادة كل ما يكشف عمّا نقلته من العبادات القديمة وأدخلته في مسيحيتها ، وهو ما يفسّر ذلك الانتقام الأصمّ الذي يفرضونه على أرض بابل القديمة ، على واحدة من أقدم حضارات العالم التي نهلوا منها ما نهلوه.. وهو ما يحاولون فرضه على القرآن الكريم وعلى الإسلام والمسلمين.
ويكفى أن نطالع الإصدارات الغربية الحديثة بأقلام بعض الأمناء لنرى أهوال ما قام ويقوم به هؤلاء "المتحضرون" ..
ج – الكنائس الإنجيلية ولعبة الإدارة الأمريكية في العالم العربي :
ينتمي العديد من القادة العسكريين والسياسيين في الولايات المتحدة ، وخاصة آل بوش ، إلى جماعة إنجيلية سرية تدعى "الأسرة" وهذه المنظمة تقود اليوم هدفا مزدوجا ضد المسلمين وضد الكاثوليك – وذلك ما لم يكن يوحنا بولس الثاني يتوقعه حينما تحالف معهم لاقتلاع اليسار، ومن قبل اليسار كان قد تحالف لمحو لاهوت التحرر في أمريكا اللاتينية ( لكن أحداً لا يتعظ من التاريخ أو يَذكر أن أمريكا دائبة التخلص من عملائها بنفس الجبروت الذي تتخلص به ممن تجعلهم أعدائها ) .
وتمثل هذه المنظمة الإطار الأساس للسياسة الأمريكية وتدفع بنفوذها في العالم من خلال جيش من المبشرين ، بحيث أصبح التطرف الديني يمثل أحد أهم العناصر في الجغرافيا-السياسية الأمريكية في الشرق الأوسط .
وبينما لا تكف بعض الأوساط ووسائل الإعلام عن اتهام الإسلام بكل أنواع الاتهامات والتلافيق فإن المعلقين يتلفعون بالصمت حول مسؤولية الكنائس البروتستانتية التي تساهم في احتدام الموقف ضد الإسلام ، مثلما يتلفعون بصمت القبور حول كل أفعال الصهاينة في أرض فلسطين ، فمن المعروف أن أعضاء هذه الكنيسة هم أكثر المساندين لإسرائيل حماسا، ويرفضون أية تنازلات في الأرض للفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين.
والإنجيليون الذين يسيرون في خطى المسيحية الصهيونية ، هم جماعة من الأصوليين البروتستانت ، كانت قد تكونت في أواخر القرن التاسع عشر، أي في نفس الوقت الذي تم فيه الإعداد لإقامة دولة لليهود ، وهم جماعة تزعم أن إقامة دولة إسرائيلية يعد تحقيقا للنبوءة الإنجيلية ولعودة المسيح ليحكم العالم ألف عام في سلام ! وهم لا يساندون اليهود معنويا فحسب وإنما بأموالهم التي تساعد على هجرة اليهود من مختلف البلاد إلى "إسرائيل".
وهذا التيار الإنجيلي الذي يضم أكثر من سبعين مليونا من الأتباع في الولايات المتحدة ، يعتمد على مئات الآلاف من المبشرين الذين تم تعيينهم لتصديرهم إلى البلدان الإسلامية والعربية وغيرها ، ويؤثر بشدة على السياسة الأمريكية في العالم العربي ، ويقول شارل سان برو (Ch.St. Prot ) مدير مرصد الدراسات الجغرافية-السياسية في فرنسا ، في مقال له عن هذه الكنائس : " إن الكراهية التي تكنها هذه الجماعات للإسلام واحتقارهم حتى للعرب المسيحيين ، يجعل منهم أداة مميّزة للسياسة الأمريكية الرامية إلى تحطيم العالم العربي لإعادة تنظيم الشرق الأوسط الكبير بحيث يكون خاضعا لواشنطن وحلفائها الصهاينة " .
ويتم تدخل الكنائس الإنجيلية في العالم الإسلامي والعربي حاليا على ثلاثة مستويات :
1 - الدعاية المعادية للإسلام ، والتي تملك كل الإمكانيات لاتهامه بكل مصائب الدنيا ، وربط الإسلام بالإرهاب و" محور الشر" والشيطنة.
2 - استخدام الأقليات المسيحية العربية لخلق الفرقة وتعبئتهم ضد المسلمين اعتمادا على وعود ومكافآت مالية ومناصب وعقود عمل ، ومنح تأشيرات الشنجن لكل من يزعم أنه "مسيحي مضطهد" ! وهى محاولة مقنّعة لإحلال عمالة مسيحية بدلا من المسلمة التي يسعون إلى إعادة تهجيرها لبلدانها..
3 - عمليات تنصير المسلمين التي تمثل أوضح نشاطات الإنجيليين اعتمادا على جماعات منظمة في شبكاتٍ ، وعلى توصيل رسالة إنجيلية تعتمد على نصوص القرآن ، وهو ما تقوم به جمعية "إدارات العالم العربي" التبشيرية الإنجيلية العالمية التي تتلخص مهمتها في : " الإعلان عن النبأ السعيد لمنقذٍ من أجل مسلمي العالم العربي " .
وهم يعتمدون زوراً على أن القرآن يفرض علينا الإيمان بالتوراة والإنجيل ، متناسين أو متجاهلين أن النص القرآني يقصد ما أنزله الله من توراة وإنجيل ، وليس التوراة التي انتهوا من صياغتها في القرن الثامن الميلادي ، أو الإنجيل (العهد الجديد) الذي ثبت بالقطع أنه تم تكوين مجمل كتبه في أواخر القرن الثاني الميلادي ، ثم قام القديس
جيروم بتكوين وصياغة نصه في القرن الرابع ، وفرضوه في مجمع ترانت ، المنعقد فيما بين 1545 و 1563، على " إن الله هو المؤلف" ، ثم عدّلوا القرار قائلين: إن الله استعان بالروح القدس ليلهم الحواريين !
والعملية التبشيرية التي تقودها الولايات المتحدة تساندها العديد من المحطات الإذاعية والتليفزيونية ، وخاصة أعضاء الكونجرس والمخابرات المركزية الأمريكية ، كما يتم إدراج الدعاية التبشيرية في مشاريع برامج التنمية الإلكترونية GIPI ( برنامج : سياسة المبادرة الشاملة للإنترنت ) وبرنامج MEPI (مبادرة الشراكة في الشرق الأوسط ) وقد تم إقامتهما في معظم بلدان العالم العربي والإسلامي، بعد أن أقر البابا يوحنا بولس الثاني مبدأ استخدام المجال الإلكتروني في التبشير.
وهذا التبشير الذي تموله وتحميه الإدارة الأمريكية كل مرماه سياسي ويهدف إلى خلق بؤَرْ خلاف في قلب البلدان العربية لإضعافها وتسهيل السيطرة عليها ، كما تهدف إلى إشعال صراع الحضارات المزعوم بصورة مفتعلة لتندرج في المشروع الذي تمت صياغته منذ 11 سبتمبر 2001 لاتهام الإسلام بالشيطنة ، أي أنها تندرج باختصار في إطار سياسة الإدارة الأمريكية الهادفة إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط الكبير ، وفرض هيمنتها عليه لصالح الكيان الصهيوني.
ويقول الكاتب جان بودريار)(J. Baudrillard في كتابه المعنون " قوى الجحيم " الصادر في أواخر أكتوبر 2002 ، : " إن ما يدور حاليا هو أكثر من عنف ، إنه احتدام العنف ، إنه عنف يتزايد كالعدوى في سلسلة من ردود الأفعال التي تهزم كل الحصانات ، وكل إمكانات المقاومة (...) لأن الإسلام هو النقيض الحيوي للقيم الغربية ، ولذلك فهو يمثل العدو رقم واحد (...) ، وفيما يتعلق بالتعصّب الديني المسيحي فإن كل الأشكال المخالفة له تعد هرطقة ، وبذلك فيتعيّن عليها إما أن تدخل النظام العالمي الجديد ، طواعية أو قهراً ، أو عليها أن تختفي. إن مهمة الغرب الآن هي أن يتم إخضاع الثقافات المختلفة بشتى الوسائل إلى القانون الوحشي المسمى التساوي (...) فالهدف هو التقليل من المناطق المنشقة واستبعاد كل المساحات المعترضة، سواء أكانت مساحات جغرافية أم مساحات في المجال العقائدي ".
ويؤكد سيرج لاتوش (Serge Latouche) في كتابه حول " تغريب العالم" قائلا : "إن سيطرة الغرب لم تتمثل فقط في فرض الاستعمار، وإنما في التبشير والسيطرة على السوق والاستيلاء على المواد الخام والبحث عن أراض جديدة والحصول على أيادي عاملة رخيصة ، واقتلاع الهوية التراثية الدينية، والقيام بالغرس الثقافي الخاص بالغزاة ، مستعينين بشتى وسائل الإعلام وغيره (...). إن عملية تغريب العالم هي أولا وأخيرا عبارة عن حرب صليبية .. والحروب الصليبية هي أكثر العمليات جنوناً في كل ما قام به البشر .. إن عملية تغريب العالم كانت ولا تزال عملية تنصير ، ومعظم عمليات التنمية في العالم الثالث تتم مباشرة أو بصورة غير مباشرة تحت علامة الصليب ".
3 – "محور السلام" :
انعقد في بروكسل ،العاصمة البلجيكية، طوال يومي 17 و 18 نوفمبر 2005، مؤتمر بعنوان : "محور السلام " ( Axix for peace ) أعد له الإعلامي الفرنسي تييرى ميسان (Thierry Meyssan) ، الذي كان أول من فضح الإدارة الأمريكية في افتعال وإشعال حرب العراق، بنشر كتابين ، الأول عن "الخديعة الكبرى" والآخر بعنوان "البنتاجيت" على غرار فضيحة الووترجيت الشهيرة ، حيث راح يثبت تورطها بالوثائق الرسمية المنشورة ، والتي تم سحب العديد منها من التداول بعد ذلك ، وهو أيضا رئيس شبكة فولتير، الجريدة الإلكترونية اليومية التي تصدر بعدة لغات منها العربية.
وقد حضر هذا المؤتمر ، وهو الأول من نوعه ، مائة وخمسون شخصية عالمية من المعارضين للنظام العالمي الجديد الراهن ، قادمين من مائة وسبع وثلاثين دولة ، وهم سياسيون ودبلوماسيون وعسكريون وقادة للرأي في بلدانهم ، لمناقشة كيفية التصدي لهذا العدوان الصارخ بعمل محاولات فعّالة للدفاع عن السلام ، وفى نهاية اليوم الثاني تمت صياغة البيان الختامي الذي أدانوا فيه التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة والخطر الذي تمثله ضد السلام العالمي ، كما ناشدوا أعضاء مجلس الأمن الذين يشاركونهم الرأي في تفعيل احترام سيادة الدول ، وهو ما يمثل أساس القانون الدولي.
وقد تناول المؤتمر من ضمن ما تناول موضوع الإرهاب الإسلامي في إحدى حلقاته النقاشية ، وقام الوزير الألماني السابق أندرياس فون بولو (A. von Bülow) بتشريح أحداث 11 سبتمبر 2001 موضحا كيف تم تنفيذها من داخل الولايات المتحدة بهدف إضفاء شرعية دولية على العمليات العسكرية التي تقودها في العالم الإسلامي والعربي.
وتحدث وبستر تاربلى (W. Tarpley) الصحفي بالولايات المتحدة عن أشكال التدخل العنصري وخاصة استغلال التهديد بعبارة " الإرهاب" قائلا : " لا يمكن فهم السياسة الحالية للولايات المتحدة الأمريكية إذا قللنا من المدى الحقيقي لأحداث 11 سبتمبر ، إن اعتداءات 11 سبتمبر كانت أحداثاً مدبرة داخليا ، والحرب على الإرهاب قائمة على أسطورة تحولت إلى ديانة رسمية للدولة منذ تلك الأحداث ، والوسيلة الوحيدة للصراع ضد المحافظين الجدد هي هدم هذه الأسطورة" وقد صدر مؤخرا لتاربلى تحليلا للأساليب المستخدمة لاستمرار توابع أحداث 11/9 ..
كما قام فيليب بيرج (Ph. Berg ) المدعى العام السابق لمقاطعة بنسيلفانيا بشرح كيف يرفض عدد كبير من المواطنين تصديق الصيغة الرسمية لهذه الأحداث ، ويمثل بيرج عائلات الضحايا التي رفضت قبض تعويضات عن موت أبنائها مقابل الصمت، وتقدموا بشكوى ضد أعضاء مجلس أركان الحرب والبيت الأبيض لمسؤوليتهما المباشرة في هذه الأحداث الإرهابية التي تقودها.
وتحدث دافيد شايلر (D. Shayler ) العميل السابق بالمخابرات البريطانية ، موضحا كيفية تدخل هذا الجهاز في توظيف مصطلح " الإرهاب الإسلامي " وعندما حاول الاعتراض على ذلك زجّوا به في السجن !. غير أنه يؤكد تواطؤ المخابرات المركزية الأمريكية وجهاز المخابرات البريطانية في تنظيم هذا الإرهاب بصورة مختلقة.
وقد تناولت المداخلات الأخرى توضيح كيف يعتمد ذلك الإرهاب "الأصيل " على مختلف أشكال التدخل العسكري والديني والسياسي والثقافي على الأكاذيب والترويع ، وعلى كيفية شراء الأصوات والضمائر والحكومات وقادة الرأي، وخاصة كيف يسيطر على وسائل الإعلام التي يقوم بمنعها من الكشف عن الحقائق أو التحدث عنها ، وعدم المساس بالسياسة الإسرائيلية ، التي لا حدود لها إلا أطماعها !
لقد جاهر الغرب المسيحي بالعداوة لدين الإسلام ، وجاهرت الحكومة الصهيونية - الصليبية في أمريكا على لسان مبشريها وأتباعها وإعلامها ، للمطالبة بتغيير العقيدة الإسلامية وإبطال الجهاد بعد بتره من كافة معانيه الإنسانية وقصره ظلما على الجزئية الحربية، على الرغم من أن الجهاد الحربي في الإسلام مقنن شرعا ، ويمنع المسلم من بدء العدوان ، كما طالب التعصب الغربي بالتدخل في مناهج التعليم ومناهج العلوم الشرعية ، بناء على توصية مجلس الأمن القومي الأمريكي ، ومنع وصول المتدينين إلى المناصب العليا في التربية والتعليم وغيرها من المجالات ، وعزل بعض الدعاة والخطباء ، والتضييق على الحلقات الدراسية القرآنية ، ووقف العمل الخيري الإسلامي ومصادرة أموال هذه الجمعيات، إضافة إلى ما تناولناه في سياق البحث ، وكل ذلك اعتمادا على التلبيس والمغالطة لترويج وتبرير هذا الاقتلاع على أنه جزء من الإصلاح الشامل المطلوب من أجل الديمقراطية! والواقع المعاش يؤكد للجميع أن معنى الديمقراطية في السياسة الأمريكية بات يعنى : الاستعمار والتنصير.
وهذا الموقف الغربي المعتدي يُعد تدخلا فجاً في الشؤون الداخلية والدينية وقلباً للمفاهيم واعتداء صارخاً على ثوابت الأمة ، وخاصة على القرآن الكريم الذي يعد دعامتها الأساسية.
إن قبول القيام بهذا التغيير هو بمثابة اعتراف ضمني باتهامات الغرب المتعصب ، وإقرار بأن ديننا ومناهجنا يولدون الإرهاب ! والاستجابة لهذه المطالب هو استسلام وتواطؤ لتمكين المتعصبين من مآربهم ، وقد شجعهم على ذلك ما لمسوه من المسئولين من تهاون في الدفاع عن ديننا ، وهذا التنازل لا حدود له إلا الاقتلاع التام للإسلام والمسلمين كما يبغون..
ولقد أوضحنا في مطلع هذا البحث وفي النقطة الثالثة منه ، أن الغرب المسيحي ليس بكله معاد للإسلام ، وأن هناك بؤَرٌ من نورٍ في غياهب ذلك الغرب ، و قد آن لنا أن نوجد جسور ترابط ، وأن نمد أيدينا لنتعاون مع هذه النقاط المضيئة الرافضة للإرهاب الأمريكي وتدخلاته ، لقول الحق بلا هجوم أو تجريح ، وأهم ما يجب التركيز عليه ، بخلاف التعريف بمعطيات القرآن الكريم الحقيقية – وليس ما يقدمه لهم المستشرقون ، هو :
* أنه لا انفصال في القرآن أو في الإسلام بين الدين والدنيا ، وأن هدفه عمارة الأرض وليس دكها أو إبادة بعض شعوبها كما يفعلون.
* عدم قبول مقولتهم المزعومة من أنه "لا نقاش في العقيدة " ، فالخلاف الأساس بيننا هو ما قاموا به من تحريف ، أي أنه خلاف في العقيدة ، فلا حصر ولا عدد للدراسات الجادة الأمينة التي تثبت حاليا أن المسيح ، كما تقدمه الكنيسة ، لا سند تاريخي له، إضافة إلى كشفهم ما تم أخذه من الديانات الوثنية قبل بترها من الوجود، كما قاموا بإثبات أن الأناجيل المعتمدة قد تم تجميعها إجمالا في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي ، وأنها ليست منزّلة كما يزعمون ، وقد رأينا كيف قام القديس جيروم بتوليفها في القرن الرابع ، وهو ما أثبته القرآن الكريم بالإشارة إلى شتى التفاصيل من تغييرٍ وتبديلٍ و تحريف.
* عدم قبول أن هذه النصوص تتساوى مع القرآن الكريم ، خاصة بعد ما كان البابا يوحنا بولس الثاني قد أعلنه من أن بها " البالي و الخطأ " ، وقد وعد بتغيير سبعين آية مراضاة لليهود بعد تبرئتهم من "مقتل الرب"! وذلك في أحد النصوص الرسمية الصادرة عن مجمع الفاتيكان الثاني ، والتي احتفلوا الشهر الماضي بمرور أربعين عاما على إصدارها.
* العمل على كشف وَهْم أسطورة سفر الرؤيا التي يتذرعون بها لتنصير العالم ليأتي المسيح عليه السلام ، فما عسى الفاتيكان والكنائس الإنجيلية وغيرها فاعلين " بدولة إسرائيل" التي أنشئوها ظلما وعدواناً ، هل سيقومون بتنصير اليهود أم أنها حجج تسري على البعض ويُعفى منها البعض الآخر ؟!
* بما أن الأناجيل المعتمدة غير منزّلة ولم تكتبها الأسماء التي هي معروفة بها ، أي أنها نصوص غير أصلية ومحرّفة ، بدليل ما قاله القديس جيروم الذي أعاد صياغتها وعدّل وبدّل وغيّر فيها وفقا لطلب البابا داماز( المتوفى سنة 384 م) ، وذلك في المقدمة التي كتبها لها وأهداها لنفس ذلك البابا، فلا يحق للغرب المسيحي المتعصب الاعتماد على أسطورة من أساطيرها لتبرير إقامة دولة للكيان الصهيوني المحتل لأرض فلسطين ، كما لا يحق له التذرع بها لتنصير العالم ، خاصة وأن المسيح عليه الصلاة والسلام قد قال : " لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة " (متى 15 : 24 ). وكان قد قال لحوارييه : "إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا ، بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة " ( متى 10 : 5 و6 ) وذلك يعنى قطعا أن عمليات التنصير التي تقودها الكنيسة ضد المسلمين تنافي تعاليم السيد المسيح وتناقضها تماما ، وأنه كان يتعيّن عليها أن تهدى اليهود الذين حادوا عن رسالة التوحد ، لا أن تخرج عن تعاليم دينها وتبرئتهم لأغراض سياسية ، وأولها الاعتراف بالكيان الصهيوني المحتل لفلسطين..
* إن استنادهم إلى نهاية إنجيل متى والآية المكتوب فيها : " فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس " (28 : 19 ) هو استناد باطل لأن عقيدة الثالوث قد تمت صياغتها في القرن الرابع ، وتسببت فيما تسببت فيه من انقسامات ومجازر، فكيف يمكن أن توجد في إنجيل من المفترض أنه مكتوب فيما بين سنة 70 و90م – كما يقولون، إن لم تكن قد كُتبت بأثر رجعى ؟!
إن الإسلام لا يفرض نفسه على أحد ، والقرآن الكريم ينص بوضوح قائلا : " فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " (29 / الكهف ) ، " لا إكراه في الدين" (البقرة).
ليكفّ الغرب المسيحي إذن عن أطماعٍ وأنانيةٍ عمياء في محاولاتٍ دائبة لاقتلاع القرآن الكريم لفرض دينٍ هو أول من يعلم كيف تم توليفه عبر المجامع على مر الصور ، وليكفّ الغرب المتعصب عن فرض نظام هو أول من يعلم كيف تم نسجه بالأكاذيب والعنصرية، وليكرس كل تلك الجهود الكاسحة إلى ما تحتاجه البشرية من تضافر كل الإمكانيات والطاقات الإنسانية من أجل الحد من مآسي الجوع والفقر والجهل ومشاكل البيئة ، وهى مشاكل قد تسبب هو في الكثير منها – إن لم يكن فيها كلها !
توقيع » السوقري
نحن قوم اعزنا الله بالاسلام فان ابتغينا العزة بغيره اذلنا الله

رد مع اقتباس