منتديات ششار الجزائرية من العرب وللعرب
اللهم وفقنا لما هو خير للعباد والبلاد سبحان الله و بحمده سبحان الله العظيم

فتاوى الشيخ محمد علي فركوس - رمضانيات-

  البوابة الجزائرية الأوفر الأسهل وبتصفح أمن من دون أي اعلانات (ششار أورنج السياحة المجانية )  
   

~~~ بسم الله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد : يسر إدارة منتديات ششار من العرب وللعرب أن تدعو منتسبيها الأفاضل للعمل على ابراز مساهماتهم البناءة وتكثيف المواضيع وتبادل الردود لبناء هذا الصرح { أي صرحكم } ودفعه مجددا للريادة والشموخ والجدية في العمل الصالح والنفع العام . قال تعال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) سورة الحشر |


العودة   منتديات ششار الجزائرية من العرب وللعرب > ˙·٠•● المنتديات الادبية ●•٠·˙ > ركن الكتب و المجلات العلمية


مواضيع مختارة

إضافة رد
انشر الموضوع
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-02-2017, 12:16 AM   رقم المشاركة : ( 11 )
همة عالية لجنة غالية
عضو ذهبي

الصورة الرمزية همة عالية لجنة غالية

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 37317
تـاريخ التسجيـل : Jul 2014
الــــــــجنــــــس :  Female
الـــــدولـــــــــــة : مملكة السعادة
المشاركـــــــات : 351 [+]
عدد الـــنقــــــاط : 60
قوة التـرشيــــح : همة عالية لجنة غالية will become famous soon enough

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

همة عالية لجنة غالية غير متواجد حالياً

افتراضي رد: قناديل الصلاة




الفصــــــــــــــــــــــــــــــل الثــــــاني:

- هذا لعبدي ولعبدي ما سأل
- في ملكوت الله
توقيع » همة عالية لجنة غالية
  رد مع اقتباس
قديم 05-02-2017, 12:37 AM   رقم المشاركة : ( 12 )
همة عالية لجنة غالية
عضو ذهبي

الصورة الرمزية همة عالية لجنة غالية

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 37317
تـاريخ التسجيـل : Jul 2014
الــــــــجنــــــس :  Female
الـــــدولـــــــــــة : مملكة السعادة
المشاركـــــــات : 351 [+]
عدد الـــنقــــــاط : 60
قوة التـرشيــــح : همة عالية لجنة غالية will become famous soon enough

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

همة عالية لجنة غالية غير متواجد حالياً

افتراضي رد: قناديل الصلاة




- هذا لعبدي ولعبدي ما سأل



و فاتحة القرآن إبحار في مقام التجريد والتفريد، تضع عنك أشكال البهتان، وألوان الكذب، وتذوب أغلفة الأوهام، وتَمحي الأماني المستحيلة في نظرة الحق إلى ذاتك.. أنت الآن واقف تستفتح سفارك، تقدح تغريد الصلاة.. أنت الآن كما أنت.. أنت الآن أفقر ما تكون، وأطهر ما تكون، فقد نَفَضْتَ يدَك ـــ في تكبيرة الإحرام ـــ من كل الأثقال التي حملتها، مالاً وولدًا، ومَنْصِبًا ولقبًا، فإنما الملك لله الواحد القهار، وإنما أنت طيف عابر في مَدارِ عابرٍ.. وترتفع الأيدي كأعراف الخيل إلى أعلى، معتصمة بلحظات الخلود:

الله أكبر ..! وينطلق الترتيل شجيا..

ها أنت الآن تحس بيقظة الروح، حياةً كريمة بين يدي الله رب العالمين.. فأَعْظِمْ بها من نعمة وأكْرِمْ! إذ كيف لذرة غابرة في ضخامة هذا الكون الممتد في المجهول، وسَعَتِهِ الرهيبة، أن تحظى بالقرب ممن وَسِعَتْ قدرتُه وعظمتُه شَسَاعَةَ هذا الملكون و ضخامتَه، وأحاط به خَلْقًا وتقديرًا، وعِلْمًا وتدبيرًا، لولا أن رحمته تعالى وسعت ما وسعت قدرتُه جل جلاله، فكانَ أقرب إلى عباده المؤمنين! ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) ﴾ البقرة:186

ليس لهذه النفس المطمئنة الساعةَ، إلا أن ترسل عبَرات الفرح بالله، فتمد أغصانها المورقة، حمدًا، وثناءًا، وتمجيدًا، وتفويضًا، مستزيدةً أنوارَ التجلي من كرم الله:

ــ ﴿ الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) ﴾ الفاتحة:2 : إعلام بشعور النفس الواقفة بمحراب الصلاة ـــ على باب الرحمن ـــ بأن كمال الحمد إنما هو لسيد هذه العوالم جميعا، تجريدًا لسواه تعالى عن كل ملكية، ولأي منة أو منحة أو عطاء! وتفريدًا له ـــ وهو سيد المخلوقات في كل العالمين ـــ بوحدانية الألوهية والربوبية، وما تقتضيه من كرم فياض ﴿ قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإنسَانُ قَتُورًا (100) ﴾ الإسراء:100 فمن ذا يستحق الحمد دونه تعالى؟!


ألا الحمد كل الحمد لله رب العالمين!

كانت الكلمات ـــ وهي من الله نزلت ـــ تفيض من قلب العبد ريانة بشعوره الغَيْدَاقِ، الْمَشُوقِ برضى سيده الكريم.. فيتلقاها سبحانه بالقبول، وتنفتح ورودُها سرورًا بين ضلوع العبد، وهو يشعر بجواب سيده، يتنزل عليه أندى، وأكرم، وألطف، وأحلم.. هاهنا مقام المناجاة.. هاهنا تقف الذات المستعيذة بالله، متحمية بجوار الله، وهي ترتل مواجيد.

فيجيبها بإلقاء نور السلام على غصنها المسكون بالخفقان، وهو ينعطف إلى الثرى مضطربَ الأوراق، ما بين خوف ورجاء.. فإذا الطمأنينة تنفتح أمامها سهولَ إخبات فسيحة، ينال العبد فيها من نعم الله ما يشاء..

كان الشعاع الأخضر القادم من المقام النبوي يُلقي إلى النفس تفاصيل المناجاة:
ـــ " قال الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل:
ـــ فإذا قال العبد: ﴿ الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) ﴾
ـــ قال الله تعالى: حمدني عبدي
ـــ وإذا قال: ﴿ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (3)﴾
ـــ قال الله تعالى: أثنى علي عبدي!
ـــ وإذا قال: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)﴾
ـــ قال الله تعالى: مَجدَنِي عبدي!
ـــ فإذا قال: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) ﴾
ـــ قال الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي.. ولعبدي ما سأل!
ـــ فإذا قال: ﴿ اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾
ـــ قال الله تعالى: هذا لعبدي.. ولعبدي ما سأل! " (1).
فأي كرم هذا، وأي نعماء؟

سورة الفتحة في غير الصلاة، تفتح للقارئ نافذة علم، إذ تُلخص له قصة الإسلام كلها، عقيدة وشريعة، والمفسر يكتسب بها مقام علم رفيع، وأما الفاتحة داخل محراب الصلاة، فهي تفتح للعابد أقواسًا من نور، لمشاهدة جمال العلم بالإسلام من داخل قباب التعبد، فالعبد يقرأ بين يدي سيده مناجيًا، وشهود الحي القيوم حَي بقلبه!!

أنت تقرأ، فأنت إذن ترحل متجردًا من أثقال الطين، إلى حيث تذوق لذة التعبد في حضرة المعبود، فتشعر أن الحال غير الحال، وأن وهج النور أقوى من أن يبصره بصر، ثم تمد قدح القلب، لتنال من رحمة الله مرتلاً:
﴿ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ﴾.وإنك لتكاد تعطف هذا الغصن، المتجرد في حضرة سيده، لولا أن المقام لما يحن بعد! ويزداد شوقك إلى موضع سجودك، فترمقه بعينين خاشعتين.. وكان الحبيب صلى الله عليه وسلم إذا صلى طأطأ رأسه، ورمى ببصره نحو الأرض! (2).

وما زال نور الحمد يسري في الفؤاد شوقًا ومحبةً، فتحمده تعالى، تعظيمًا لألوهيته وربوبيته، وثناءً على رحمته...
ثم رشفة أخرى من نور السورة، فإذا بقلبك ينفتح للنظرإلى جلال عدل الله. المنبثق من نور رحمته، فتتوجه إليه سبحانه تمجيدًا لمالكيته، وتفويضًا لكل أثقالك إلى جمال حكمه.. فتسري السورة في أشواقك موجةً أخرى : ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ ! وتتلقى مُهْجَتُكَ حالَ أنْسٍ كريم، ثم ترتقي في مقامات المعرفة بالله! أوَليس ذلك يوم الدين؟! أوَليس هو اليوم الحق، الذي تتبخر عند حافته أزمنة الغرور و الأوهام؟!
فما مُلْكُ ملوك الأحلام، إذا استيقظوا على حقيقة اليوم الحق، وهم ماثلون أمام الملك الحق؟ تلك الصورة يتذوقها العبد، وهو يرشف ـــ في صلاته ـــ من فاتحة الكتاب، فيحس برهبة ذلك اليوم، الذي يعتلي في الرحمن عرش القضاء بين عباده، فتنبت مشاعر الحاجة الملحة إلى الاستزادة من رحمته تعالى، رَهَبًا ورَغَبًا، واتقاءً لحرج يوم الحساب، الذي لا تُغَادَرُ فيه صغيرة، ولا كبيرة، إلا أن يعفو الله، ويشعر المؤمن بضرورة العودة إلى ذاته قصد تمحيصها، و إن أول ما يمحصه منها هذا الذي هو فيه الآن : صلاته القائمة، فليمعن في تجريد أعماقه من دسائس إبليس، ولْيُصَف خواطره منها مهما دقت، تفريدًا لوجه الله المقصود وحده بالتعبد والاستعانة.. حتى إذا كان من مشاهداته ما كان، فاضت الكلماتُ من قرارٍ وَجِلٍ حزين، ألا يكون المقالُ على وزن الفعال، ثم ترسل الحنجرة تغريدها الشجي: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ !

فيقول مولاك: " هذا بيني وبين عبدي !" (3)

آه منك يا نفس! أي حق عليك لله عز وجل! واي تَبِعَةٍ! وها أنت شاردة في متاهات اللهو، تبنين قصور الوهم في دار الخراب!

ـــ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾. ذلك بينك يا عبدُ وبين العليم الخبير! فهو بعلمه سبحانه سيتولى تمحيصه في القلوب والجوارح.. !فيا أيتها الأغصان العابثة بين ربيع وخريف، تبيحين نداك لكل ريح.. هذه الشمس تكاد تأتي على امتصاص كل أنداء الحياة! فإذا نضارة العود الطافح أوراقًا وأزهارًا، تستحيل حطبًا، وخشبًا مَنْخُورًا، يتحطم وَهْنًا على أعتاب الآخرة! فأين أنتِ مِنْ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾؟!

كان الحزن الصاعد من الأعماق يتشكل في أفق المحراب بارقةً، تضطرب بين جَنَاحَيْ قلب السالك، و تَعْرُجُ في خفقان يحدوه مقام الخوف و الرجاء، فترتفع الأشواق إلى بارئها، مستغيثةً وملبية، تلهج بمعاني الحمد والثناء، كما ينبغي لجلال وجه الله وعظيم سلطانه.. ثم تنفلق الظلمات بومضة برق حاسمة، فيشتعل الخوف بغصونك اشتعالاً، يكاد يحرق ما بقي بأندائها من رجاء! فتتعلق بأعمدة النور العلوي، و ... وتبكي.. مناديًا: ﴿ لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)﴾ الأنبياء:87 . وتنهمر الأمطار!

ها هو الشاطئ الآن أجمل ما يكون! وها هو ذا أنت أسقم ما تكون! تمد يدك إلى شجر اليقطين، تضمد به جروحك وتستر ضعفك، ثم تتقدم هونًا في الطريق، وقد أورق رجاؤك ألطافًا من رَوْحِ الله، واشتد عطشك إلى نور الهدى، مددًا يروي جواك في طريق الله، فناجيت مولاك خاشعًا، راسمًا مبتغاك وأنت تشاهد نفسك ذَرةً، تستشرف طريق النور، في قصة الإنسان مع الدين: ﴿ اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ (7)﴾

آمــــــــــــــــين!
فالهدى هو النور العاصم من الشرود في التيه، الواقي من الانحراف الضارب بعيدًا عن منازل ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ . فأهل العبادة والاستعانة بالله هم المنعم عليهم دون سواهم، وهم الذين شاهدوا شعاع النور فالتزموه، وساروا على هداه.. وتلك أهم النعم، وذاك هو الصراط المستقيم، الذي زاغ عنه من عرف الحق وعمل بخلافه عُلُوا واستكبارًا، فغضب الله عليه، ومن جهل الحق ولم يهتد إليه، بما غلب عليه من هوى، فضل ضلالاً بعيدًا.

كانت الفاتحة نقلة روحية كبرى، ارتقت بك من مقام إلى مقام، عروجًا مما يلي أبواب عالم الدخن و الفناء، إلى ما يلي أبواب عالم الصفاء والبقاء.

وتشعر بجمال اللحظة، إذ تجد في كلماتها من معاني الخلود ما تجد، و يَقْوَى رجاؤك في الله أن يصفي دمعَك من رائحة الطين! أتدري ما صفاء الدمع من رائحة الطين؟ ذلك حين تشف هذه الضلوع الصلبة عن يقين الوجدان الفوار بقلبك، ويترقرق الغدير في بطحاء الحب،فترى لآلِئَهُ الجميلة صافية الأديم، لا تُضام في رؤيته شيئًا، فلا تبصر بعد ذلك إلا بالله..!حين ذاك يصدق في حقك الوعد الكريم: "هذا لعبدي.. ولعبدي ما سأل !" (4).

ألا ما أعظمه من دعاء! وما أكرمه من عطاء..!

كانت نهاية السورة تنفتح شعورًا قويًا في القلب، ورغبةً مُلحة في الدعاء، فتفيض أنوار الهدى النبوي مبشرة بخاتمة من أمل أخضر، يمتد صداه امتداد النفَس الولهان، فإذا " التأمين " قنديل آخر ، يجمع خفقات المحبين ما بين السماء والأرض!

ألا تنظر إلى حلقة النور من الصحابة الكرام وهي تشكل هالةَ إصغاء كامل، والحبيب محمد صلى الله عليه وسلم بينهم يوقد ألوان القناديل؟

ـــ " إذا أمن الإمامُ فأمنُوا..! فإنه من وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفر له ما تقدم من ذنبه!" (5).

سادتي.. صلوا على محمد!
ألا صلى الله عليك وسلم يا سيدي يا رسول الله!

_______________________________
(1) رواه مسلم.
(2) رواه البيهقي، والحاكم وصححه. قال الألباني:"وهو كما قال"صفة الصلاة:(ص:80).
(3) تقدم تخريجه.
(4) تقدم تخريجه.
(5) متفق عليه.
توقيع » همة عالية لجنة غالية
  رد مع اقتباس
قديم 05-05-2017, 02:26 PM   رقم المشاركة : ( 13 )
همة عالية لجنة غالية
عضو ذهبي

الصورة الرمزية همة عالية لجنة غالية

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 37317
تـاريخ التسجيـل : Jul 2014
الــــــــجنــــــس :  Female
الـــــدولـــــــــــة : مملكة السعادة
المشاركـــــــات : 351 [+]
عدد الـــنقــــــاط : 60
قوة التـرشيــــح : همة عالية لجنة غالية will become famous soon enough

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

همة عالية لجنة غالية غير متواجد حالياً

افتراضي رد: قناديل الصلاة




في ملكـــــــــوت الله


كان القرآن ، فكانت الصلاة.. وكانت سورة الفاتحة هي الصلاة (1) و " لا صلاةَ لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " (2). وما " ما أنزل الله عز وجل في التوراة، ولا في الإنجيل مثل أم القرآن " (3). لكن مقام الوقت يدعوك الساعة يا صاح، للسياحة في ملكوت الله، بُعَيْدَ التأمين على دعاء فاتحة الكتاب، فافتح أبواب القرآن الكريم واقرأ!

ألا يا أيها الجناح الضارب في سفارك إلى الحبيب، تجتاز آفاق الآكام والوديان، هذا مقام الأنس، فافتح تباريح المحبة بُعَيْدَ فاتحة الكتاب! تنقلك موجة نور إلى بحار الله، وما أدراك ما بحار الله؟ إنها الجمال ذو الجلال المطلق، أو قل: إنها الجلال ذو الجمال المطلق..! إنها تجليات من نور الله، تفيض أمواجها أبدًا، من بحار كلمات الله ﴿ قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109)﴾ الكهف:109 . ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27)﴾ لقمان:27 . فَتَمَل جمالَ النور العظيم! إذ يرسم الحرفُ القرآني في النفس شعاعًا لا يصطدم بساحل، فترى أن العمر ـــ كل العمر ـــ لا يكفيك ولا لتذوق كأس واحدة من بحر عطاء الله العذب الكريم!


كانت أصداء التأمين ما تزال تتجاوب مع أصداء السماء.. وكان فؤادك ما يزال يخفق إجلالاً لجمال الله.. هذا مقام الغنى العالي، فآيات الفاتحة السبع كانت كافية لمحو كل آثار الطين من ذاكرتك، ثم لعمران القلب كل القلب بحب الله! فلكؤوس السبع المثاني طَفْحٌ يملأ الجوانح، شوقا إلى عبور مقام الإذن، والتملي بملكوت الله.. فيا صاح، افتح حدائق القرآن العظيم، تنل مزيدًا من عطاء الله! ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87)لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ ﴾ الحجر:88،87. فكل متع السرار سراب!


ألا ما أفقرك أيتها العير المحملة بالمال، تسعين ذلولا في ركب السلطان، لبناء المجد الفان! فاستزد يا صاح غنى من رَوْحِ الله! تشتعل الآيات في دربك قناديلَ مزهرة أبدًا حتى تلقى مولاك! ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)﴾ الحجر : 99،98.


بين الفاتحة وبين قراءة ما تيسر من الآيات ـــ قيامًا بين يدي الله ـــ بَرْزَخُ شَوْق ينتفض رغبةً في الارتقاء إلى مقام الجوار الأعلى! أوَليس " يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتقِ ورَتلْ كما كنت ترتل في الدنيا! فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها! " ؟ (4). رَتلْ إذن، لا هَذًا ولا عجلةً، بل " قراءةً مفسرةً حرفًا حرفًا! " (5).


حتى تتذوق رشفات النور، وتستطيع تلبية عزائم السير في طريق المجاهَدات، ضربًا إلى بحار المحبة، فإن الخطب جليل وثقيل، فانشر شراع التلقي يا صاح! ﴿ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)﴾ المزمل:5،4.


كانت أقواس النور تمر بين يديك هادئة وضاءة، فتلج منها إلى عوالم متعددة، تختزل بذلك أمكنة وأزمنة شتى، وتنظر بقلب ملؤه الرهبة إلى اللامكان واللازمان! متعلقًا بأنوار الأسماء الحسنى، فيزداد حسن الترتيل بمزمارك، وجمال الخشوع بخمائلك، إشراقًا وبهاءً! فاخشعي يا حناجر الطير الشجية، وتبتلي مثولاً عند أبواب الكمال، فإن " مِنْ أَحْسَنِ الناسِ صَوْتًا بِالْقُرْآنِ: الذِي إِذَا سَمِعْتُمُوهُ يَقْرَأُ حَسِبْتُمُوهُ يَخْشَى اللهَ! " (6).


هذه قناديل القرآن الآولى، تسكب بين ضلوعك لطائف العلم، فتزداد معرفة بالله، حتى تتحقق بمقام التوحيد ربوبيةً وألوهيةً، أما الربوبية فتنشر عليك ظلال الخضوع التام لسيد الكون، فتتملى جمال الخالق في أسمائه الحسنى وصفاته العلى، ويتجلى لك نور الهدى في تنزيه مولاك، تنزيهًا يقوم على إثبات صفات الكمال، ونفي التشبيه والمثال، وأما الألوهية فتدعوك إلى تخليص مشاعرك ـــ وأنت تخطو في درب التعبد بالأقوال والأفعال ـــ من كل قصد سوى الله، حتى تشهد حقا : أن لا إله إلا الله!.


ويستمر الترتيل.. فتستمر الأنوار الطافحة تنير جوانحك بمعرفة الله، وبتذوق وحدانية الخلق والصنعة في ربوبيته تعالى، وتكثر أنوار القاناديل بين يديك، حتى يمتلئ بصرك يقينًا في الله..! فيا سالكُ! ﴿ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ


(63) أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (64) قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65)﴾ النمل : 65،59 .


هاهي ذي أنوار العلم قد ملأت قلبك معرفةً بالله، فالتهبت أشواقك، وتأهبت أجنحتك لتطير منطلقةً من مدار توحيد الربوبية، حتى إذا حلقت في سماء الروح، شوقـًا إلى تمحيص مقاصدها، ومدت أغصانها إلى الله رَغَبًأ ورَهَبًا، انفتح عليها توحيد الألوهية شلالاً من نور، فجعل يغسل أزهار التعبد النابتة في القلب من غبار الشرك الخفي ، ويطهرها من روائح الصلصال المسنون!


فسبحانك سيدي.. لا معبود بحق سواك! سبحانك أنت المعطي وأنت المانع، سبحانك أنت الضار وأنت النافع! لا إله إلا أنت!


كانت معاني توحيد الألوهية في القرآن، تنشر ظلال النور على القلب المتبتل، فَتَخْلُصُ مقاصدُه وتصفو، وهي تترقرق في أعماق الجداول اللاهجة بذكر الله: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34)﴾ الروم: 34،30.


ذلك بهاء التوحيد، ضياء يشرق من فضاءات القرآن ، على جمال التشريع الكوني، وجمال التشريع التكليفي، فيبرزق التناسق والتوافق بين مدارات الأفلاك، ومواقع النجوم والأشياء، ومنازل الفصول، وبين مدار الإنسان المسلم لله رب العالمين.. فيبهرك كمال الصنع، وجمال التدبير، وجلال المقصد والمصير!


وتنفتح أقواس النور ـــ داخل مدار التوحيد العظيم ـــ فتنشر خمائلها في القرآن تترى.. ومنها تلج في صلاتك إلى عوالم أخرى، محتفظًا بأذواق المقام الأول في قلبك، وتمر عبر شلالات أخرى، استشفاءً مما بقي من أسئلة مقام الحيرة: من أين؟ وإلى أين؟ وكيف؟ ولماذ؟.. واستشفاءً مما بقي من وخزات الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا (82) ﴾ الإسراء:82. فترى الموت والحياة في الأرض يتعاقبان، كما تتعاقب الظلمة والنور.. وتدور فصول الحياة بين ربيع وخريف، بدءًا بقصة الخلق، وقصة آدم عليه السلام مع إبليس اللعين، مرورًا بدعوات الرسل ـــ عليهم الصلاة والسلام ـــ فترى أمواج البشرية تتدفق بين إقبال وإدبار، وبين إيمان وصدود.. جيل ينسخ جيلاً، والناس في غفلة رهيبة عن سنة الحياة الصارمة!. أشجار تورق ثم تزهر، ثم ... ثم تمسي هشيمًا في ليالي الأشباح، فسل الرياح كم ذرت في البطاح!


كانت قصور شامخات وتكون، وكان جبابرة ومستضعفون، يسقط فرعونٌ ويقوم آخرون، ولريح الخريف دورة لا يتخلف موعدها أبدًا! فإذا الحدائق أزهرت شهواتها، وطفحت نزواتها.. ﴿ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24)﴾ يونس:24. وَيْ..! كأنْ لم تَغْنَ بالأمس!.. كأنْ لم تَغْنَ بالأمس!


وتمر دعوات الأنبياء ومضاتٍ بارقةً في ظلمات التاريخ، فتورق شجيرات في ظلال النور هنا وهناك، ويأبى فريق من الناس إلا نفورًا.. وتمضي الرغبة العمياء لاهثة وراء الجاه والسلطان، وإنما هو ركض في مملكة الله الواحد القهار!..عجبًا! كيف ينازع عبدٌ يموت الحي الذي لا يموت؟! وتبقى المملكة لسيدها ابتلاءً وذكرة لكل اللاحقين : ﴿ كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ (29)﴾ الدخان: 29،25.


ثم تمضي بك أقواس الدعوات النبوية إلى عالم اليوم الآخر.. فينبعث فيك الإحساس بالهول الكبير، إزاء يوم القيامة، وتنقدح الحركة الكبرى في يقينك، موعدًا عاما للقاء الله في يوم الفصل.. فإذا الأرض تحت قديمك تُرَج رَجا! وإذا الجبال تهب في الفضاء الواسع ريحًا وغبارًا، وإذا السماء تُطوى طيا! بما فيها من أفلاك وبروج وكواكب ونجوم، تهييئًا لخلق كوني جديد..!


لستُ أدري هل تلقيتَ شيئًا مما قرأت أم لا؟..! انظر إلى الجبال تهترئ صخورُها، فينسفها ربي نسفًا!.. فترى الأرض قاعًا فارغًا ممتدا، لا ترى فيه عوجًأ ولا أمتًا..! فقبل قليل، بل قبل أقل من ومضة برق، أو قبل أقل من طرفة عين، كانت جبال راسيات، ترسخت متانتها أوتادًا، طيلة أزمنة جيولوجية مديدة، ثم هي الآن صارت هباءً منثورًا..! وإنه لمشهد رهيب، لا ينور عن تصوير رهبته إلا أن تراه حقا!! هذا تكوين جديد يفصل بين عالمين، أو قل بين نفختين! ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ (68)﴾ الزمر: 68. وترى بعينيك أهوال القيامة، صعقًا ونشورًا، فيزداد مقام الخوف والرجاء بذاتك توهجًا، وتتذلل بين يدي سيدك مرتلاً آياته عبر شلال دمع، متبتل منيب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)﴾ الحج: 2،1 .


ويتجلى ربك للقضاء بين خلقه، وما أدراك ما تجلى الرب للقضاء بين خلقه؟ أين الملوك والجبابرة؟ وأين المردة والشياطين؟ وأين الأنبياء والأتقياء؟ وأين قوافل المستضعفين؟ ثم أين أنت بين ذلك كله؟!


كانت الأنفس بارزة لا يخفى على الله منها شيء، وكانت الأبصار خاشعة ﴿ وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18)﴾ غافر:18، وتحل اللحظة الفاصلة بين الحق والباطل بجلالها العظيم، وينتظم الناس لِيُعْرَضُوا على ربهم صَفا، ويقوم جبريل عليه السلام والملائكة أيضًا صَفا.. و...


﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (69)﴾ الزمر: 69 . فيتشكل الناس بعد ذلك فريقين، كل فريق يمضي إلى عكس جهة الآخر، أفواجًا، أفواجًا، فيفترق بافتراقهما مقامُ الخوف والرجاء!


﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ الزمر:71. ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ الزمر:73.


كانت الصور تمر حية بمقامك، وأنت راحل عنك إلى حيث مَشاهدُها.. وكانت الجوانح يطفح لهيبها ببكاء عميق، خوفًا أن يزيغ البصر عن محراب القانتين، فيرجك سؤال المَلكُ الجبار:


ـــ ﴿ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ غافر:16.


وتمضي مع الترتيل الجليل مسلمًا:


ـــ ﴿ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ غافر:16.


أي شيطان هذا الذي صرف الطير عن التغريد في البكور؟! أي لَعِينٍ هذا الذي أخرس الترتيل في حناجرَ ما فُطِرَتْ إلا على ذكر خالقها، فأغواها بالتمرد الأخرق، ثم مضت تنعق في ظلمات الفجور؟!


من ذا الذي أطفأ هذا القنديل الجميل في عيونٍ ما أبصرت إلا لتتملى سُبُحَات النور في محاريب السرور؟


مواجيد شتى من الأسف والأسى، تخفق بقلبك.. وأنت في وهج صلاة تتذوق بها جمال القرآن، وروعة التعبد! فتصغي: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا (29) وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30)﴾ الفرقان:30،27 ، أوَ يُهْجَرُ يا صاح؟ كيف وهو الذي: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21)﴾ الحشر:21.


كانت الرهبة قد هدت أغصانك، وكان الرجاء يمسح عليها بأنداء الدعاء، وهو يزهر في رياض القرآن، ثم تحيا لطائف الفاتحة في قلبك من جديد، ذكرى طيبة، تسري بعروقك راحة شاملة، وسعادة عميقة، رشفًا لما نالك من رحمة الله وفضله: " هذا لعبدي .. ولعبدي ما سأل! " (7).

_______________________________
(1) تأمل الحديث المذكور " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي...".
(2) متفق عليه .
(3) رواه الترمذي، والنسائي، والحاكم، وصححه، ووافقه الذهبي (صفة) : ( ص 92). كما صححه الألباني في صحيح الجامع، حديث رقم : (5560).
(4) رواه أبو داود، والترمذي، وقال: " هذا حديث حسن صحيح". وصححه الأباني في تحقيقه لسننيهما، وفي صفة الصلاة: ( ص 126 )، والسلسلة الصحيحة.
(5) ذلك وصف أم سلمة رضي الله عنها لقراءة النبي صلى الله عليه وسلم وقد رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والبيهقي في الكبرى، والحاكم، والطبراني في الكبير، وابن خزيمة في صحيحه. كلهم عن أم سلمة رضي الله عنها. وقال الترمذي: " هذا حديث حسن صحيح غريب". وقال الحاكم: " صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" ثم صححه الألباني في صفة الصلاة: ( ص 125 )، وفي مشكاة المصابيح، لكنه ضعفه في تعليقه على السنن. كما ضعفه الأرناؤوط في تعليقه على المسند.
(6) رواه ابن ماجه. وصححه الألباني في صفة الصلاة: (ص 127 ). وفي صحيح سنن ابن ماجة، وصحيح الترغيب، وصحيح الجامع الصغير.
(7) تقدم تخريجه.
توقيع » همة عالية لجنة غالية
  رد مع اقتباس
إضافة رد

العلامات المرجعية

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
يمكنك اضافة مشاركات
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

رمز [IMG] : متاحة
رمز HTML : معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات المشاركة الأخيرة
حكم الاحتفال بمولد خير الأنام عليه الصلاة والسلام أبو سَلْمَانُ بلال ركن مواقع وفتاوى المشايخ الأفاضل 1 12-12-2016 04:48 PM
/::: إذا أقيمت الصلاة وهو يصلي النافلة :::/ عمي صالح الركن الإسلامي العام 0 09-26-2016 06:24 PM
حكم تارك الصلاة والإفطار فى شهر رمضان السعيد شويل ركن العقيدة والتوحيد 0 01-08-2016 04:21 PM
تفسير: (إن الله وملائكته يصلون على النبي) nadjm ركن القرآن الكريم وتجويده وتفاسيره 0 11-23-2015 11:06 PM
[الصنف فتاوى الصلاة] حكم الصلاة وراء إمام يصلي الفريضة قبل دخول وقتها أبو سَلْمَانُ بلال ركن مواقع وفتاوى المشايخ الأفاضل 2 06-08-2015 11:48 PM


الدول التي زارت الشبكة
فريق إدارة منتديات ششار :::::::::: لا يتحمّل منتديات ششار الجزائرية أيّة مسؤوليّة عن المواضيع الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في المنتدى. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر. :::::::::::::: الموقع لا يمثل أي جمعية أو جماعة وإنما يهدف إلى تقديم خدمة ::::::::::::::: بالتوفيق فريق إدارة منتديات ششار
•• مواقع صديقة ••
www.dzsecurity.com - www.himaia.com - www.gcmezdaouet.com - www.dypix.com
منتديات ششار الجزائرية  من العرب وللعرب


Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2018 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.
˙·0•● جميع الحقوق محفوظة لمنتديات ششار ●•0·˙